عبّاس يبكي حتّى يبلّ دمعه الحصى ، ويسمّيها أكبر رزية .
أهل السنّة يقولون : بأنّ عمر أحسّ بشدّة مرض النبيّ فأشفق عليه ، وأراد أن يريحه .
وهذا التعليل لا يقبله بسطاء العقول فضلاً من العلماء ، وقد حاولت مراراً وتكراراً التماس بعض الأعذار لعمر ، ولكن واقع الحادثة يأبى عليّ ذلك ، وحتّى لو أبدلتْ كلمة يهجر " والعياذ بالله " بلفظة " غلبه الوجع " ، فسوف لن نجد مبرراً لقول عمر : " عندكم القرآن " وحسبنا كتاب الله ، أو كان هو أعلم بالقرآن من رسول الله الذي أنزل عليه ؟
أم أنّ رسول الله لا يعي ما يقول " حاشاه " ؟
أم أنّه أراد بأمره ذلك أن يبعث فيهم الاختلاف والفرقة ؟ " استغفر الله " .
ثُمّ لو كان تعليل أهل السنّة صحيحاً ، فلم يكن ذلك ليخفى على رسول الله ولا يجهل حسن نيّة عمر ، ولشكره رسول الله على ذلك ، وقرّبه بدلاً من أن يغضب عليه ويقول : اخرجوا عنّي .
ويضيف الدكتور التيجاني : وهل لي أن أتساءل لماذا امتثلوا أمره عندما طردهم من الحجرة النبوّية ، ولم يقولوا بأنّه يهجر ؟ إلاّ لأنّهم نجحوا بمخططهم في منع الرسول من الكتابة ، فلا داعي بعد ذلك لبقائهم ، والدليل على أنّهم أكثروا اللغط والاختلاف بحضرته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ، وانقسموا إلى حزبين منهم من يقول : قرّبوا إلى رسول الله يكتب لكم ذلك الكتاب ، ومنهم من يقول ما قال عمر ، أي : إنّه " يهجر " .
والأمر لم يعد بتلك البساطة يتعلّق بشخص عمر وحده ، ولو كان كذلك لأسكته رسول الله ، وأقنعه بأنّه لا ينطق عن الهوى ، ولا يمكن أن يغلب عليه الوجع في هداية الأمّة وعدم ضلالتها ، ولكن الأمر استفحل واستشرى ووجد له أنصاراً كأنّهم متّفقون مسبقاً ، ولذلك أكثروا اللغط والاختلاف ، ونسوا أو تناسوا قول الله
موسوعة من حياة المستبصرين — صفحة 377
مساهمون: مركز الأبحاث العقائدية
ص٣٧٧