وأمّا حين عدم تيسّر السجود عليه والتمكّن منه ، لحرارة قارصة أو لإيجاب عذر آخر ، فلا وازع عندئذ من السجود على غيرها ، إذ الضرورات تبيح المحظورات .
والأحاديث الواردة في الصلاة على الحصير والفحل ( 1 ) والخمرة وأمثالها تسوّغ جواز السجدة على ما ينبت من الأرض غير المأكول والملبوس .
والأنسب بالسجدة - التي إنّ هي إلاّ التصاغر والتذلّل تجاه عظمة المولى سبحانه ورجاء كبريائه - أن تتخذ الأرض لديها مسجداً يعفّر المصلّي بها خده ويرغم أنفه تذكّر الساجد لله طينة الوضيعة الخسيسة التي خلق منها ، وإليها يعود ، ومنها يعاد تارة أخرى ، حتّى يتّعظ بها ويكون على ذكر من وضاعة أصله ، لتأتي له خضوع روحي ، وذلّ في الباطن ، وانحطاط في النفس ، واندفاع في الجوارح إلى العبودية ، وتقاعس عن الترفع والأنانية ، ويكون على بصيرة من أنّ المخلوق من التراب حقيق وخليق بالذلّ والمسكنة ليس إلاّ .
ولا توجد هذه الأسرار قط وقط في المنسوج من الصوف والديباج والحرير ، وأمثاله من وسائل الدعة والراحة ، ممّا يُري للإنسان عظمة في نفسه ، وحرمة وكرامة ومقاماً لديه ، ويكون له ترفعاً وتجبّراً واستعلاءً ، وينسلخ عند ذلك من الخضوع والخشوع ( 2 ) .
غاية سجود الشيعة على التربة :
نستنتج ممّا ذكرناه بأنّ الغاية التي يتوخّاها الشيعة من إعدادهم التربة للسجود عليها حين الصلاة هي اتّخاذ المصلّي لنفسه تربة طاهرة طيّبة يتيّقن
هامش
1 - الفَحل : حصير يتخذ من سعف الفحل من النخيل . الصحاح 5 : 1789 " فحل " .
2 - السجود على التربة الحسينيّة عند الشيعة الإمامية ، العلاّمة الشيخ عبد الحسين الأميني : 41 - 43 .