في أواخر القرن السابع الهجري وأوائل القرن الثامن شخص يُدعى ابن تيمية ، فادّعى فهم الإسلام دون غيره ، وأنّه يتبع السلف من الصحابة والتابعين والصالحين من أبناء القرون الثلاثة الأُولى بعد الهجرة الشريفة ، فأصدر حكماً بحرمة زيارة القبور ( 1 ) ، وحرّم على الناس السفر أو شدّ الرحال إلى قبر رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مع نيّة زيارة قبره الشريف باعتباره سفر معصية ( 2 ) ، بحجة البعد عن تقليد أهل الكتاب ، ورغبة في التمسّك بالسنّة النبوية الشريفة ! ! !
ولكنّه في الواقع لم يتمسّك بالسنّة ، وإنّما تمسك بفهمه الخاطى الناتج من اتباع الهوى ، جاهلاً أو متجاهلاً أنّ الله لم يترك الناس سدئ ، وأنّه جعل للدين أئمة من أهل البيت ( عليهم السلام ) يهدون الناس ، ويصلحون ما فسد من أُمور دينهم ، فالدين كلّه لله ، ولله بيت يأتيه الناس ، وللبيت أهل أُمرنا بطاعتهم ، بيت بناه إبراهيم وإسماعيل وفيه آثارهم ، بيت فيه مقام إبراهيم وحجر إسماعيل ، بيت فيه الحجر الأسود أُمر الناس أن يأتوه ويقبّلوه طاعة لله .
فلم تكن الكعبة عند الله وثناً ، ولم يكن مسعى هاجر ( عليهم السلام ) وموطأ أقدامها صنماً ، بل على العكس ، عظّم الله شأن هذه الآثار ، وخلّد سيرة الأنبياء والأولياء فيها ، وجعلها من مراسم الدين ، ففرض على الناس الحجّ إليها ، والتمسّح بأعتابها .
إنّ الدين لا يخالف الفطرة السليمة ، قال تعالى : * ( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ ) * ( 3 ) .
والدين لا يمنع زيارة المرء قبر أُمّه مثلاً ، ولقد زار الرسول ( صلى الله عليه وآله وسلم ) قبر أُمّه فبكى وأبكى من حوله ( 4 ) ، ولكنّ الوهابيون وأسلافهم يمنعون مثل هذه الزيارة ويمنعون مثل هذا البكاء .
هامش
1 ) ( 2 ) رحلة ابن بطوطة : 113 .
3 - الروم ( 30 ) : 30 .
4 - صحيح مسلم 3 : 65 .