تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة من حياة المستبصرين — صفحة 304

مساهمون:

ص٣٠٤
وكان يتميّز هذا الشاب بخصائص لم أجدها من قبل في أحد ، وكان من جملة تلك الخصائص أنّه كان يتمتّع بذهنيّة واعية لم تحجب الأهواء بصيرته بتاتاً ، كان يستيقظ من غفلته تارة فيحدّثني بمشاعره الواعية التي كانت تختلج في صدره ، فكان يتحدّث حول القيم والأخلاق والصراع القائم بين الفضائل والرذائل في داخل الإنسان ، وبين الحقّ والباطل في أوساط المجتمعات المختلفة . وكان يقول حينما يسمع الأحداث السياسيّة التي تجري في العالم : لا بدّ للفئات المضطهدة والمسلوب حقّها أن تنتفض وتثور ضدّ الظلم ; ليسعها أن تسترجع حقوقها ، وليمكّنها أن تتحرّر وتلتذّ بإستقلاليّتها . ومن هنا كان يهوى صديقي الإلمام بكافّة الثورات التي يقوم بها المستضعفون ضدّ المستكبرين في العالم ، وكنت أرى في وجهه أحياناً هالة من الحزن ، فاسأله عن سبب ذلك فيقول : يحزنني الوضع المأساوي المهيمن على عالمنا المعاصر ، وإنّما أتألّم لرؤية الفقراء والمساكين الذين أوجعت سياط الطغاة والمستكبرين ظهورهم . تنمية وعيها الديني : تضيف " دورا جهويج " : كان حديث صديقي يفتح آفاقاً رحبة أمام بصيرتي ، وكنت أتمتّع بحديثه عندما يحاول أن يزيل الحجب عن قلبي ; لأرى الحياة بنظرة ثاقبة وعميقة . وهذا ما جعلني أتفاعل معه ، فكنّا نجتمع معاً ونطالع تاريخ الثورات الكبرى التي شهدها العالم ، ومن هذا المنطلق اشتدّت صلتي به حتّى آل الأمر إلى أن تقدّم ذلك الشاب إلى خطبتي ، فقبلت ذلك وبادرنا بعدها إلى الزواج . وكان لزواجي به دوراً هامّاً في تغيير مسار حياتي ; لأنّني اندمجت به ، وتوجّهنا معاً إلى رفع مستوياتنا العلميّة عبر المطالعة والبحث ، وهذا الأمر منحنا وعياً تمكّنا أن ننقذ به أنفسنا من الانحطاط والتسافل .