اللحوم ، أمّا أن تلبس الحجاب فهذا أمر له تبعاته الاجتماعيّة والعائليّة ، ولم يجدوا له مبرّرات أو تفسيرات ، ممّا أدار النقاشات بينهم بكلّ حدّة فأخذت الموقف المحايد ، ولم أدخل على خطّ التوتّر الدائر بينهم على أساس أنّ الموضوع يجب التفاهم عليه ضمن العائلة ، وبقيت أتجاهل هجومهم لإثارتي وأترك الردّ لها ، فهي ابنتهم بالنهاية برغم صداقتي معهم ، واتّخذ عدم تدخّلي المباشر - رغم تعمّد إقحامي - بعداً إيجابيّاً ممّا زاد من رباطة جأشها إلى أقصى الحدود ، ولم أعرف كيف استطاعت الصبر على ذلك لولا جوابها لي في إحدى المرّات - عندما كنت أوضّح لها استغرابي لطريقة إساءاتهم لها - حيث أجابتني بقولها : " ألست تقول أنّ اللّه يحاسب في الآخرة ؟ وأنّ علينا أن نحترم أهلنا على أن لا يضلّونا ؟ " .
اطمأنّ بالي لحسن إدارتها للأمر مع أنّه حقّاً كان شيئاً صعباً بالنسبة لهم ، فهي ابنتهم ، ويخافون عليها بسبب ما وصلهم عن العرب من أنّهم يحتقرون المرأة ، ويقفلون عليها الأبواب ، وأنّها تباع وتشترى ، وبأنّ ذلك مقدّمة لتركهم إلى بلاد بعيد ومجتمع جاهل ومتخلّف !
والأمر الثاني هو أنّ أهلها أرسلوها إلى مدرسة راهبات للبنات لتتلقّى أفضل تربية مسيحيّة دينيّة ودنيويّة ، وها هم اليوم وقد تحوّلت ابنتهم إلى دين آخر لا يعرفون عنه شيئاً . أضف إلى ذلك نظرات الأقارب وأسئلتهم وموقف الأهل الضعيف أمامهم ! فلو اقتصر أمر إسلامها على أن لا تأكل اللحم ، وأن تصوم وتصلّي ، لقبلوا ذلك منها ولو على مضض ، ولكن أن لا تصافح الأقارب باليد ، وأن ترتدي الحجاب ، ولا تحضر الولائم لوجود الخمرة ، فهذه أمور خطيرة وصعبة لا يمكن لهم أن يتحمّلوها .
لقد كان صراعاً صعباً ، إنّها ابنتهم ، وهذا " المسلم " لا يملكون أيّة تهمة ضدّه ، ولذا استمر الهجوم عليها وحدها ، فهي " البلهاء " التي لا تعرف ماذا تفعل ، وفي الوقت نفسه كانوا يرون أنها سعيدة وإيجابيّة وخلوقة معهم أكثر من ذي قبل ،
موسوعة من حياة المستبصرين — صفحة 183
مساهمون: مركز الأبحاث العقائدية
ص١٨٣