فلماذا لم يعامل أهل السنة كتابي البخاري ومسلم معاملتهم لبقية كتب الحديث الأخرى وينظروا في أسانيد ومتون رواياتهما كما فعلوا مع الكتب الروائية الأخرى ، مع أن بعضهم أي المصنفين من العلماء في الحديث من يرى صحة جميع ما جمعه من روايات كما كان يرى البخاري ومسلم ذلك بالنسبة لصحيحيهما ؟ ! .
فمثلاً كان أحمد بن حنبل يرى صحة واعتبار جميع روايات مسنده ، ولذلك جعل ما فيه من روايات حجة يرجع إليه في حال الاختلاف حول الروايات ، فإن كانت الرواية المختلف حولها مذكورة ومنقولة في هذا المسند فإنها تكون حجة ، حيث أثر عنه قوله : ( إن هذا الكتاب قد جمعته وانتقيته من أكثر من سبعمائة وخمسين ألفاً فما اختلف فيه المسلمون من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم فارجعوا إليه ، فإن كان فيه وإلا فليس بحجة ) ( 1 ) ، ولا يقول بهذا القول إلاّ من يرى صحة واعتبار جميع تلك الروايات .
وكذلك ابن حبّان فإنه كان يرى صحة جميع روايات صحيحه .
وكذلك غيرهما . .
ولكن إذا عرف السبب بطل العجب ! ترى ما هو السبب إذاً ؟ !
السبب واضح جداً ، وهو أن هذه المصنفات تحمل في طياتها الكثير من الروايات التي لا تتماشى مع أهواء القوم وتوجهاتهم في الفروع والأصول ، فنقلها من القدماء من نقلها إنصافاً منه أو لأنه لم يستطع إنكارها لاشتهارها وكثرة وصحة طرقها أو لدواع وأسباب أخرى ، فجاء من أتى بعدهم وطعن في هذه الروايات سنداً أو ميّعها دلالة ، بل أن بعضهم لشدة حساسيته من بعض هذه الروايات فضح نفسه فزعم وضعها وكذبها مع
هامش
( 1 ) راجع ترجمة أحمد في سير أعلام النبلاء ، وكتاب من له رواية في مسند أحمد صفحة 9 .