تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية المسترشدين — صفحة 582

مساهمون:

ص٥٨٢
وأما الرابع : فبأن شمول الأخبار لمحل الكلام غير معلوم ، بل لا يبعد انصرافها إلى غيره ، وهو ما إذا كان أصل التكليف بالشئ مجهولا أو كان جاهلا به بالمرة - كما إذا لم يخطر بباله - أو قام عنده دليل شرعي على عدم اعتباره ، دون ما إذا حصل اليقين بالتكليف وشك في حصول المكلف به بما يؤديه ، سيما مع علمه بحصوله في الفرد الآخر المستجمع للجزء أو الشرط المشكوكين ، بل علمه بحصوله في الفرد المذكور دون غيره مما يعين الإتيان به ، فليس ذلك مندرجا في الجهالة المسقطة للتكليف ، ولا أقل من الشك في اندراجه في الأخبار وهو كاف في المقام . ولو سلم شمول إطلاقها لذلك فهو معارض بما دل على عدم نقض اليقين بالشك ، ولزوم تحصيل اليقين بالفراغ بعد اليقين بالشغل ، ومع تعارض القاعدتين المذكورتين لا يمكن الحكم بمشروعية الفعل المذكور والحكم بسقوط التكليف به كما لا يخفى . ومن عجيب الكلام ما صدر عن بعض الأعلام : من أنه لا فائدة في الإتيان بالجزء أو الشرط المشكوكين لتحصيل اليقين بالفراغ ، مع أن سائر الأجزاء والشرائط إنما ثبتت أو نفيت بالأدلة الظنية الغير البالغة حد اليقين ، فأي فائدة في مراعاة اليقين في جزء أو شرط مخصوص مع انتفائه في سائر الأحوال والشرائط . وكيف يعقل تحصيل اليقين من جهة الإتيان بالجزء أو الشرط المشكوك مع أنه لا يقين في سائر الشرائط والأجزاء ، إذ قد عرفت أن المطلوب من اليقين في المقام ما قام عليه الدليل المعتبر المنتهي إلى اليقين لا ما حصل اليقين بكونه عين المكلف به بحسب الواقع ، لوضوح عدم اعتباره في الشرعيات لا حكما ولا موضوعا ، والمفروض أن سائر الأجزاء والشرائط مما ثبت بالدليل المعتبر بخلاف ما هو محل الكلام ، فاعتبار اليقين الواقعي فيه على فرضه ليس لتحصيل اليقين بأداء المكلف به كذلك بالنحو المذكور ، بل المقصود منه تحصيل فرد يقوم الدليل الشرعي على الاكتفاء به ، إذ المفروض عدم قيام دليل شرعي على كون الفاقد لذلك الجزء أو الشرط من أفراد ذلك الواجب حتى يقال بصدقه عليه .
هداية المسترشدين — صفحة 582 | الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني