تخطي إلى المحتوى الرئيسي

هداية المسترشدين — صفحة 619

مساهمون:

ص٦١٩
وحيث إن بيان الحق في المسألة مبني على المسألة المذكورة فلا ضير لو أشرنا إلى ما هو التحقيق فيها وإن مرت الإشارة إليها غير مرة في المباحث المتقدمة . فنقول : إن الذي يظهر بعد التأمل : أن حقيقة التكليف والإيجاب - وهي التي تقتضيه صيغة الأمر - هو اقتضاء الشئ من المكلف واستدعاؤه منه على وجه المنع من الترك ، وإرادة ذلك من المكلف إرادة فعلية جازمة حاصلة بقصد الانشاء من صيغة الأمر وغيرها مما يراد به حصول ذلك ، سواء تعلقت به الإرادة النفسية الحاصلة لذات الأمر بأن يكون مريدا لذلك الفعل في ذاته مع قطع النظر عن الانشاء المذكور ، كما هو الحال في معظم التكاليف الصادرة من الناس مما لا يقصد به الاختبار ونحوه ، أو لم تتعلق به ، كما هو الحال في التكاليف الشرعية ، لظهور أنه لو تعلقت إرادته تعالى بالفعل ابتداء على الوجه المذكور حسب ما يقتضيه الأمر لو قلنا باتحاد الطلب والإرادة بالمعنى المذكور لم يمكن تخلف المراد عنه ، وكان صدور الفعل عن المكلف على سبيل الإلجاء والاضطرار من غير أن يمكن منه تحقق العصيان ، كما يومئ إليه قوله تعالى : * ( لو شاء لهداكم أجمعين ) * ( 1 ) ، وهو مع كونه خلاف الضرورة مخالف للحكم الباعثة على التكليف . ومن البين أن التكليف إنما يحصل بالأمر ، ومدلول الأمر إنما يحصل باستعمال الصيغة فيه من غير أن يكون له واقع تطابقه أو لا تطابقه ، بل استعمال اللفظ فيه هو الآلة في إيجاده فيكون معناه حاصلا بذلك . ومن البين أن الإرادة النفسية غير حاصلة بتوسط الصيغة ، بل هي أمر واقعي نفسي حاصل للآمر مع قطع النظر عن الصيغة المفروضة ، فلا مدخل للإنشاء في حصولها والدلالة عليها ، فالطلب والتكليف الحاصل بصيغة الأمر غير الإرادة المفروضة .
هامش
( 1 ) سورة الأنعام : 149 ( فلو . . . ) ، سورة النحل : 9 ( ولو . . . ) .
هداية المسترشدين — صفحة 619 | الشيخ محمد تقي الرازي الأصفهاني