تخطي إلى المحتوى الرئيسي

حاشية رد المحتار — صفحة 542

مساهمون:

ص٥٤٢
قلت : ويعلم منه ما يقع الآن من وقوع التنازع في صحة الإجارة الطويلة عند قاض شافعي فيحكم بصحتها وبعدم انفساخها بموت ولا غيره ، فإن عدم الانفساخ بالموت لم يصر حادثه وقت الحكم ، لان الموت لم يوجد وقته ، فللحنفي أن يحكم بالفسخ بالموت كما أفتى به في الخيرية . وذكر ابن الغرس من هذا القبيل : ما لو وهب ابنه وسلمه العين الموهوبة وقضى شافعي بالموجب ثم بعد مدة رجع الواهب في هبته وترافعا عند القاضي الحنفي فحكم ببطلان الرجوع . قال : وقد حصل التنازع في هذه المسألة بين أهل المذهبين : فقال القاضي الشافعي : حكم الحنفي باطل لأني حكمت قبله بموجب الهبة ، ومن موجبها عندي أن الأب يملك الرجوع ، والحكم في الخلافية يجعلها وفاقية ، وقال القاضي الحنفي : الرجوع حادثة مستقلة وجدت بعد الحكم الأول بمدة طويلة ، فكيف تدخل تحته حكمه ؟ وأجيب فيها بأن الموجب هنا أمور : هي خروج العين من ملك الواجب ودخولها في ملك الموهوب له ، وملك الواهب الرجوع إذا كان أبا عن الشافعي ، وعدمه عند الحنفي ، فإن كان التداعي عند القاضي ليس إلا في انتقال العين من ملك الواهب إلى ملك الموهوب له اقتصر القضاء بالموجب على ذلك ، فإذا كان القاضي الأول شافعيا لا يصير كون الأب يملك الرجوع محكوما به ، وإذا كان حنفيا لا يصير عدم ملكه ذلك محكوما به ، فللقاضي الثاني أن يحكم بمذهبه : أي لان الأمر الأول لا يستلزم الأمر الثاني في الثبوت . قال : فتبين أن القضاء في حقوق العباد يشترط له الدعوى الموصلة له شرعا على وجه يحصل به المطابقة ، إلا ما كان على سبيل الاستلزام الشرعي : أي كما في مسألة الكفالة المارة ، وليس للقاضي أن يتبرع بالقضاء بين اثنين فيما لم يتخاصما إليه فيه ا ه‍ ملخصا . فاغتفر التطويل في هذا المقام بما حواه من الفوائد العظام . قوله : ( وهو عبارة عن المعنى ) أي كخروج المبيع من ملك البائع ، ودخوله في ملك المشتري ، ووجوب التسليم والتسليم ، ونحو ذلك من مقتضيات البيع ولوازمه ، فذلك المعنى المحكوم به المضاف إلى المبيع المتعلق به في ظن القاضي شرعا هو الموجوب ها هنا ، وهو الذي اقتضاه عقد البيع . وأما الحكم بموجب بيع المدبر ، فهو المعنى الذي أضيف إلى ذلك البيع في ظن القاضي شرعا وهو كون ذلك البيع باطلا ، ولكن هذا المعنى ليس هو مقتضى ذلك البيع ، إذ البيع لا يقتضي بطلان نفسه ا ه‍ ابن الغرس . وظهر منه أن المراد بما في قوله : بما أضيف له هو البيع مثلا ، فإن دخول المبيع في ملك المشتري متعلق بذلك البيع ومضاف إليه شرعا في ظن القاضي : أي في قصده من حيث إنه يقضي به : أي يقصد القضاء به وكذا غيره من مقتضيات البيع اللازمة له واحترز به عما لا يقصد القضاء به لعدم التنازع فيه كثبوت حق الشفعة ، وأفاد أن الموجب قد يكون مقتضى كما مثلنا ، وقد يكون غير مقتضى كبطلان بيع المدبر ، فإنه موجب لا مقتضى على ما قررنا سابقا ، فافهم . ثم لا يخفى أن هذا التعريف مع ما فيه من التعقيد خاص بالموجب الذي وقع الحكم به صحيحا مع أن الموجب أعم منه ، فإن المعنى المتعلق بذلك البيع المضاف إليه يصدق على ثبوت حق الشفعة وثبوت رده بخيار عيب ونحو ذلك مما ليس من مقتضياته اللازمة له ، بدليل ما مر من أن الموجب قد يكون أمورا يسلتزم بعضها بعضا أو لا يسلتزم ، فالأظهر والاخصر تعريفه بما قدمناه من أنه الأثر المترتب على ذلك الشئ ، وإن أراد تخصيصه بما يقع به الحكم صحيحا عندنا يزيد على ذلك قولنا إذا صار حادثة ، فيخرج ما لا حادثة فيه كما لو حكم شافعي بموجب بيع بعد إنكاره لا يكون حكما بثبوت خيار المجلس مثلا ، مما ليس من لوازمه ما قدمناه من مسألة الهبة وغيرها
حاشية رد المحتار — صفحة 542 | مكتب البحوث والدراسات / ابن عابدين