قلت : ويعلم منه ما يقع الآن من وقوع التنازع في صحة الإجارة الطويلة عند قاض شافعي
فيحكم بصحتها وبعدم انفساخها بموت ولا غيره ، فإن عدم الانفساخ بالموت لم يصر حادثه وقت
الحكم ، لان الموت لم يوجد وقته ، فللحنفي أن يحكم بالفسخ بالموت كما أفتى به في الخيرية . وذكر ابن
الغرس من هذا القبيل : ما لو وهب ابنه وسلمه العين الموهوبة وقضى شافعي بالموجب ثم بعد مدة
رجع الواهب في هبته وترافعا عند القاضي الحنفي فحكم ببطلان الرجوع . قال : وقد حصل التنازع
في هذه المسألة بين أهل المذهبين : فقال القاضي الشافعي : حكم الحنفي باطل لأني حكمت قبله
بموجب الهبة ، ومن موجبها عندي أن الأب يملك الرجوع ، والحكم في الخلافية يجعلها وفاقية ، وقال
القاضي الحنفي : الرجوع حادثة مستقلة وجدت بعد الحكم الأول بمدة طويلة ، فكيف تدخل تحته
حكمه ؟ وأجيب فيها بأن الموجب هنا أمور : هي خروج العين من ملك الواجب ودخولها في ملك
الموهوب له ، وملك الواهب الرجوع إذا كان أبا عن الشافعي ، وعدمه عند الحنفي ، فإن كان التداعي
عند القاضي ليس إلا في انتقال العين من ملك الواهب إلى ملك الموهوب له اقتصر القضاء بالموجب
على ذلك ، فإذا كان القاضي الأول شافعيا لا يصير كون الأب يملك الرجوع محكوما به ، وإذا كان
حنفيا لا يصير عدم ملكه ذلك محكوما به ، فللقاضي الثاني أن يحكم بمذهبه : أي لان الأمر الأول لا
يستلزم الأمر الثاني في الثبوت . قال : فتبين أن القضاء في حقوق العباد يشترط له الدعوى الموصلة له
شرعا على وجه يحصل به المطابقة ، إلا ما كان على سبيل الاستلزام الشرعي : أي كما في مسألة الكفالة
المارة ، وليس للقاضي أن يتبرع بالقضاء بين اثنين فيما لم يتخاصما إليه فيه ا ه ملخصا . فاغتفر التطويل
في هذا المقام بما حواه من الفوائد العظام . قوله : ( وهو عبارة عن المعنى ) أي كخروج المبيع من ملك
البائع ، ودخوله في ملك المشتري ، ووجوب التسليم والتسليم ، ونحو ذلك من مقتضيات البيع
ولوازمه ، فذلك المعنى المحكوم به المضاف إلى المبيع المتعلق به في ظن القاضي شرعا هو الموجوب ها
هنا ، وهو الذي اقتضاه عقد البيع . وأما الحكم بموجب بيع المدبر ، فهو المعنى الذي أضيف إلى ذلك
البيع في ظن القاضي شرعا وهو كون ذلك البيع باطلا ، ولكن هذا المعنى ليس هو مقتضى ذلك
البيع ، إذ البيع لا يقتضي بطلان نفسه ا ه ابن الغرس . وظهر منه أن المراد بما في قوله : بما أضيف
له هو البيع مثلا ، فإن دخول المبيع في ملك المشتري متعلق بذلك البيع ومضاف إليه شرعا في ظن
القاضي : أي في قصده من حيث إنه يقضي به : أي يقصد القضاء به وكذا غيره من مقتضيات البيع
اللازمة له واحترز به عما لا يقصد القضاء به لعدم التنازع فيه كثبوت حق الشفعة ، وأفاد أن الموجب
قد يكون مقتضى كما مثلنا ، وقد يكون غير مقتضى كبطلان بيع المدبر ، فإنه موجب لا مقتضى على ما
قررنا سابقا ، فافهم . ثم لا يخفى أن هذا التعريف مع ما فيه من التعقيد خاص بالموجب الذي وقع
الحكم به صحيحا مع أن الموجب أعم منه ، فإن المعنى المتعلق بذلك البيع المضاف إليه يصدق على
ثبوت حق الشفعة وثبوت رده بخيار عيب ونحو ذلك مما ليس من مقتضياته اللازمة له ، بدليل ما
مر من أن الموجب قد يكون أمورا يسلتزم بعضها بعضا أو لا يسلتزم ، فالأظهر والاخصر تعريفه بما
قدمناه من أنه الأثر المترتب على ذلك الشئ ، وإن أراد تخصيصه بما يقع به الحكم صحيحا عندنا يزيد
على ذلك قولنا إذا صار حادثة ، فيخرج ما لا حادثة فيه كما لو حكم شافعي بموجب بيع بعد إنكاره
لا يكون حكما بثبوت خيار المجلس مثلا ، مما ليس من لوازمه ما قدمناه من مسألة الهبة وغيرها
حاشية رد المحتار — صفحة 542
مساهمون: مكتب البحوث والدراسات
ص٥٤٢