ذكروا في فساده علتين : إحداهما أنه لا يعلم أنه لبن أو دم أو ريح ، وهذه تقتضي بطلان البيع لأنه
مشكوك الوجود فلا يكون مالا ، والأخرى أن اللبن يوجد شيئا فشيئا فيختلط ملك المشتري بملك
البائع ا ه : أي وهذه تقتضي الفساد ط .
قلت : مقتضى الفساد لا ينافي مقتضى البطلان بل بالعكس ، لان ما يقتضي البطلان يدل على
عدم المشروعية أصلا ( 1 ) فلذا جزم ببطلانه ، فتأمل . قوله : ( للغرر ) لأنه لا يعلم وجوده ، وينبغي
أن يكون باطلا للعلة المذكورة ، فهو مثل اللبن رملي .
قلت : ويؤيده ما في التجنيس : رجل اشترى لؤلؤة في صدف ، قال أبو يوسف : البيع جائز ،
وله الخيار إذا رآه وقال محمد : البيع باطل ( 2 ) ، وعليه الفتوى ا ه . قال الزيلعي : بخلاف ما إذا باع
تراب الذهب والحبوب في غلافها حيث يجوز لكونها معلومة ويمكن تجربتها بالبعض أيضا ا ه . قال في
النهر : وينبغي أن يكون في ذلك الجوز الهندي . قوله : ( وصوف على ظهر غنم ) للنهي عنه ، ولأنه قبل
الجز ليس بمال متقوم في نفسه لأنه بمنزلة وصف الحيوان لقيامه به كسائر أطرافه ، ولأنه يزيد من
أسفل فيختلط المبيع بغيره كما قلنا في اللبن . زيلعي . قوله : ( وجوزه الثاني ) هو رواية عنه كما في
الهداية . قوله : ( لم ينقلب صحيحا ) مقتضاه أنه وقع باطلا ( 3 ) ، وإلا لصح بزوال المفسد كما سيتضح في
بيع الآبق ، وهو أيضا مقتضى التعليل بأنه ليس بمال متقوم ، فكان على المصنف ذكره في الباطل ،
قوله : ( وكذا كل ما اتصاله خلقي ) بخلاف اتصال الجذع والثوب فإنه بصنع العباد بن ملك . قوله : ( لما
مر أنه معدوم عرفا ) أي مر في فصل : ما يدخل في البيع تبعا عند قوله : كبيع بر في سنبلة وبيناه
هناك بأنه هذا تمر وقطن ، ولا يقال هذا نوى في تمره ولا حب في قطنه ، ويقال هذه حنطة في سنبلها
وهذا لوز وفستق في قشره ، ولا يقال هذه قشور فيها لوز ، قوله : ( وإنما صححوا الخ ) جواب عما
استدل به أبو يوسف من جواز الصوف على ظهر الغنم كما في الكراث وقوائم الخلاف بالكسر
وتخفيف اللام نوع من الصفصاف : أي مع أنها تزيد ، والجواب كما في الزيلعي أنه أجيز في الكراث
والقوائم للتعامل ، إذ لا نص فيه فلا يلحق به المنصوص عليه ا ه . وأيضا فالقوائم تزيد من أعلاها :
هامش
( 1 ) قوله : ( أصلا ) اي ووصفا والفساد يقتضي عدم مشروعية الوصف ، فهو يؤكد مقتضى البطلان من جهة إفادته عدم
مشروعية الوصف ينقلب صحيحا ، ابن كمال لا ينافيه . هذا معنى كلام المحشي . وفيه ان الفساد كما يقتضي عدم
مشروعية الوصف كذلك يقتضي مشروعية الأصل ، والبطلان يقتضي عدم تلك المشروعية فكيف لا ينافيه ؟ ولعل
المخشي نظر إلى أن مشروعية الأصل في الفساد مسكوت عنها لكن يعكر عليه ملاحظتها في الشق الثاني فتأمل ا ه .
( 2 ) قوله : ( باطل ) اي الجهل وعدم القدرة على الاطلاع ، إذ لا يمكن الاطلاع الا بكسر الصدف ، إذ لا ينتفع به الا
بالكسر فكان مثل غلاف الحبوب ا ه .
( 3 ) قوله : ( مقتضاه انه وقع باطلا ) فيه انه نقل الخلاف بين الكرخي والبلخيين في عود بيع الطير المرسل صحيحا بتسليمه
مع الاتفاق على فساده ، فكيف يكون القول بعدم الانقلاب إلى الصحة مقتضيا للبطلان حتى يتفرع الزام المصنف
بذكره في الباطل ، نعم هذا يتفرع على التعليل بأنه ليس بمال متقوم ، إذ مقتضاه البطلان ا ه .