مطلب في الفرق بين السهو والنسيان
قوله : ( أو ذاهلا أو ساهيا أو ناسيا ) قال ابن أمير حاج في شرح التحرير : وجزم كثير باتحاد
السهو والنسيان ، لان اللغة لا الفرق بينهما ، وإن فرقوا بينهما بأن السهو زوال الصورة عن المدركة
مع بقائها في الحافظة ، والنسيان زوالها عنهما معا فيحتاج في حصولها إلى سبب جديد . وقيل
النسيان عدم ذكر ما كان مذكورا ، والسهو غفلة عما كان مذكورا وما لم يكن مذكورا ، فالنسيان
أخص منه مطلقا . وقيل يسمى زوال إدراك سابق قصر زمان زواله نسيانا وغفلة لا سهوا ، وزوال
إدراك سابق طال زمان زواله سهوا ونسيانا ، فالنسيان أعم منه مطلقا . وقال الشيخ سراج الدين
الهندين : والحق أن النسيان من الوجدانيات التي لا تفتقر إلى تعريف بحسب المعنى ، فإن كل عاقل
يعلم النسيان كما يعلم الجوع والعطش اه ح .
قلت : لكن ظهور الفرق بينه وبين السهو يتوقف على التعريف . وفي المصباح : فرقوا بين
الساهي والناسي ، بأن الناسي إذا ذكرته تذكر ، والساهي بخلافه اه . وعليه فالسهو أبلغ من النسيان ،
وفيه ذهل بفتحتين ذهولا غفل . وقال الزمخشري : ذهل عن الامر : تناساه عمدا وشغل عنه ، وفي لغة
من باب تعب . قوله : ( بأن حلف أن لا يحلف ) قال في النهر : أراد بالناسي المخطئ ، وفي الكافي :
وعليه اقتصر في العناية والفتح : هو من تلفظ باليمين ذاهلا عنه ، والملجئ إلى ذلك أن حقيقة
النسيان في اليمين لا تتصور . قال الزيلعي : وقال العيني وتبعه الشمني : بل تصور بأن حلف أن لا
يحلف ثم نسي الحلف السابق فحلف . ورده في البحر بأنه فعل المحلوف عليه ناسيا لا أن حلفه
ناسيا اه . وفيه نظر ، إذ فعل المحلوف عليه ناسيا لا ينافي كونه يمينا بدليل أنه يكفر مرتين : مرة
باعتبار أنه فعل المحلوف عليه ، وأخرى باعتبار حنثه في اليمين اه كلام النهر .
أقول : الحق ما في البحر ، فإن فعل المحلوف عليه ناسيا وإن لم يناف كونه يمينا ، لكن تعلق
النسيان به من جهة كونه حنثا لا من جهة كونه يمينا ، إذ هو من هذه الجهة لم يتعلق به النسيان كما
لا يخفي على منصف اه ح . قوله : ( لحديث الخ ) في شرح الوقاية للعلامة منلا علي القاري : لفظ
اليمين غير معروف ، إنما المعروف ما رواه أصحاب السنن الأربعة من حديث أبي هريرة وحسنه
الترمذي وصححه الحاكم بلفظ : النكاح والطلاق والرجعة ، وقد رواه ابن عدي فقال : الطلاق
والنكاح والعتاق اه .
وفي الفتح : اعلم أنه لو ثبت حديث اليمين لم يكن فيه دليل ، لان المذكور فيه جعل الهزل
باليمين جدا والهازل قاصد اليمين غير راض بحكمه ، فلا يعتبر عدم رضاه به شرعا بعد مباشرته
السبب مختارا ، والناسي بالتفسير المذكور لم يقصد شيئا أصلا ولم ير ما صنع ، وكذا المخطئ لم
يقصد قد التلفظ به بل بشئ آخر ، فلا يكون الوارد في الهازل واردا في الناسي الذي لم يقصد قط
مباشرة السبب فلا يثبت في حقه نصا ولا قياسا اه . قوله : ( في اليمين أو الحنث ) متعلق بقوله :
ولو مكرها أو ناسيا أي سواء كان الاكراه أو النسيان في نفس اليمين وقد مر ، أو في الحنث بأن