البيت العتيق ، والمسجد الحرام ، وكعبة المسلمين وقبلتهم ، فرأيت الألوف بملابس
الإحرام ، مكشوفي الرؤوس ، يطوفون ويصلون ، ويرددون في تطوافهم : " يا كريم يا
غفار " منصرفين إلى الله وحده ، حتى عن أنفسهم وذويهم ، متجهين إليه سبحانه
بنفوس نقيه ، وعاطفة تقية ، وقلوب معبأة مهيأة إلى فضل الله ورضوانه .
وفجأة ، ودون أية سابقة ، انتابتني رعشة هزتني من الأعماق تجلي تأثيرها
ووقعها في بكائي وتضرعي ، وانقطاعي إليه سبحانه ، وشعرت كأني أمام الله وجها
لوجه ، وأني في عالم كله نور وروح ، وهذا هو معنى العبادة بروحها وجوهرها ، أنها
أولا وقبل شئ اليقين بالله ، والإخلاص فيما ترجوه منه ، والصدق في تضرعك له .
وقال قائل : إن العبادة ركوع وسجود ، وسعي وطواف ، وكفى . . وذهب آخر
إلى أنها تفكير فلسفي . وزعم ثالث أنها رياضة ومكاشفة ، والحق أنها قلب متطلع إلى
رحمة الله ، واثق بمغفرة الله . . وكل حاج يحمل هذا القلب المتطلع الواثق فيما أعتقد
إلا من اتخذ الحج وسيلة للعوائد والفوائد العاجلة . وإن شككت في شئ فلن
أشك بأن الله يقبل الجميع ما دام هو القصد والغاية ، حتى الجاهل الذي لا يعرف
مكان الدقة في الطواف ، ولا يحسن انتقاء " الخرش البرش " من حصى الرمي . .
سمعت امرأة تقول ، وهي تشير إلى الكعبة : رحمتك
هذه هي الوهابية — صفحة 16
مساهمون: محمد جواد مغنية
ص١٦