وأيضا فإن المؤرخ نفسه هو واحد من أولئك البشر ، يعيش في عصر من
الأعصار . . وللبشر ميول ، ولكل عصر لونه ونغماته .
وحين يكون عصر من العصور قاسيا في مواجهة ما لا يتفق ونغماته ،
فإنما جاءت قسوته من أناسه ، فالمؤرخ يكتب حين يكتب وهو يرى عيون
الناس وكأنها ترصد أفكاره ، وتحصي عليه حتى ما لم يرد بحسبانه !
ففي أحوال كهذه هل يبعد أن يكون المؤرخ مسوقا من حيث يدري
أو لا يدري لواحدة أو أكثر من تلك المؤثرات الواقعية ؟
إنه عندئذ سوف يقتطع من الحقيقة التاريخية أجزاء مساوية لمقدار ذلك
الانسياق .
ولعل هذا هو أضعف الأخطار الثلاثة التي قد تتعرض لها الحقيقة
التاريخية .
- أما الخطر الثاني : فيتمثل بالانسياق التام لنغمات العصر وأهواء أهله .
- وأما الخطر الثالث : فيتمثل في كون المؤرخ نفسه من أصحاب
الأهواء الذين لا يقبلون إلا ما وافق أهواءهم ، ولا ينظرون إلى الأحداث
إلا بمنظار الهوى .
بعد هذا ، فإن التاريخ الذي سيكتبه هذا المؤرخ أو ذاك سوف يصبح
مصدرا لثقافة الأجيال ، تستقي منه رؤيتها للتاريخ ، والتي ستساهم
مساهمة فعالة في صياغة عقائدها .
فحين يجتمع الناس على واحد من هذه المصادر التي استجابت لبعض
تلك المؤثرات على حساب الحقيقة التاريخية ، فمن البديهي أن تحمل
أذهانهم برؤى مغايرة للحقيقة .
ومن هنا تتسرب العقائد الدخيلة إلى الأذهان ، فيعتقد الناس بأشياء
ومفاهيم ليست هي من الإسلام ومفاهيمه الحقة ، وهم يظنون أنها الحق .
حوار في العمق من أجل التقريب الحقيقي — صفحة 90
مساهمون: صائب عبد الحميد
ص٩٠