حين يعنى بتدوين تاريخ أمة وقد ظهرت فيها الاختلافات ، وتوزعت
أبناءها المذاهب ، وتغلبت الأهواء التي تفرض هيمنتها في صياغة أفكار
الناس ورؤيتهم للأحداث ، عندئذ أين سيقف التاريخ ؟
هل سيكون بعيدا عن معترك الميول والأهواء ، منفصلا عن قيود الزمان
والمكان ليسجل الأخبار والأحداث كما هي تماما ، وبكامل أسبابها
ومقدماتها وتفاصيلها وما خلفته من آثار ، يسجلها كما هي قبل أن تنفعل
معها الميول والأهواء ؟
لا شك أن هذا هو الأمل المنشود ، وهو الذي تقتضيه الأمانة للتاريخ
وللحقيقة . .
ولكن لا شك أيضا أن التاريخ لم يكتب في الفضاء ، ولا كان المؤرخ
يستقل بساطا سحريا يقله فوق آفاق زمانه ومكانه . .
إنه يكتب من على الأرض ، وفي زمان ما ومكان ما . .
وإنه يكتب ما يسمع ، لا ما يرى . .
وإنما يحدثه رجال لهم حيال الأحداث مواقف وميول ، فهو لم يسمع
في الحقيقة حدثا مجردا ، وإنما سمع الحدث ممزوجا به انفعالات
الناقلين . .
حوار في العمق من أجل التقريب الحقيقي — صفحة 89
مساهمون: صائب عبد الحميد
ص٨٩