بجهاده طلب نعيم الآخرة لم يزل مقدما على الأعداء ، صابرا على اللاواء ،
ومن كان مراده الغنيمة العاجلة ضعف صبره ، ولم يؤمن فشله ، وكان
ثباته قليلا ، فشله مدخولا .
3 - وقال أبو القاسم البلخي : يجوز أن يكون ذلك خالصا في
المنافقين يوم أحد ، فخبر سبحانه أنه ينيلهم بعض ما يريدونه من عرض
الدنيا ، امتحانا لهم لا رضا عنهم ، ومما يقوي أن ذلك مخصوص أنا
نرى كثيرا من الكفار يريدون عرض الدنيا ، ولا ينالونه ، ويريدون
منها الكثير فينالون القليل ، فدل ذلك على كونه مخصوصا . ويحتمل
أيضا - لما قال سبحانه : ( نؤته منها ) ، ولم يقل نؤته إياها - أن
يكون المراد بذلك إيتاء القليل والبعض ، لا إيتاء الكثير والكل ،
لان ( من ) للتبعيض ههنا ، وقل أحد إلا وقد أوتي من منافع الدنيا
شيئا : كثر أو قل ، ودق أو جل .
وليس لقائل أن يقول : ( فقد قال سبحانه : ( ومن يرد ثواب
الآخرة نؤته منها ) ، وهذا أيضا يلزمكم أن يكون المؤتى قليلا ) ،
لان ( من ) إذا كانت ههنا للتبعيض ، فهي دالة على الاعطاء
من الجنس المذكور ، ويحتمل ذلك الكثرة والقلة ، فيتميز ذلك باستحقاق
المعطى ، فإن كان عمله جزيلا كان ثوابه جزيلا ، وإن كان قليلا كان
قليلا ، وعلى أنه لا بد من ذكر ( من ) ههنا للدلالة على التبعيض ، لأنه
سبحانه على الحقيقة يعطي كل عامل على قدر عمله من ثواب الآخرة ،
ولو لم يقل ( نؤته منها ) وقال : نؤته إياها ، لا وهم أنه يؤتي من يريد
حقائق التأويل في متشابه التنزيل — صفحة 260
مساهمون: الشريف الرضي
ص٢٦٠