وقوله في موضع آخر : ( أتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم
شيئا ولا يضركم ) [ 1 ] ، فلدخول الشبهة على الطوائف التي
ذكرناها ( كانوا ) [ 2 ] يضيفون أفعال الله تعالى إلى غيره ، ويخلعون
صفاته على خلقه ، فإذا انحسر قناع الشك ، وانكشف غطاء الرأس ،
واضطر الناس إلى المعارف ، وارتفع تكليف المكلف ، وتقوض بناء
الدنيا ، وانقطعت أعمال الورى - علم الجميع أن لا خالق إلا الله تعالى :
يضر وينفع ويعطي ويمنع ، فانتهت إليه الرغبات ، وانقطعت من غيره
الآمال والأطماع ، وعلم أن رجاء غيره غرور ، والمشير إلى سواه مغرور ،
فجاز أن يقول تعالى على هذا المعنى : ( والى الله ترجع الأمور ) .
6 - وقال بعضهم : معنى ذلك : أن الأمور كلها في ملكه ،
وتصريفها على مشيئته ، ومن غير أن يكون هناك على الحقيقة خروج عنه ،
فيكون رجوع إليه ، وعلى هذا قولهم : ( قد رجعت في فلان أشباه أبيه ) ،
أي : خرج إليه في محاسن خلقه ، أو في كرائم خلقه ، وليس يريد
القائل لذلك أن أمرا كان هناك فانتقل ثم رجع ، وفقد ثم وجد ، وإنما
مراده ما ذكرناه ، ومثل ذلك قول القائل : ( قد رجع على فلان
عتب من فلان ، وعاد عليه من جهته لوم ) يريد : اصابه منه عتب
ولوم لا غير ، إذ كان ذلك واقعا على سبيل الابتداء ، ومثله قول الشاعر [ 3 ] :
هامش
( 1 ) الأنبياء : 66
( 2 ) وفي ( خ ) : ( ما ) والصحيح ما أثبتناه
( 3 ) هو كعب بن سعد الغنوي من قصيدة يرثي بها أخاه شبيبا . وقال
أبو علي القالي في أماليه : بعض الناس يروى هذه القصيدة لكعب
ابن سعد الغنوي ، والمرثى من قومه وليس بأخيه ، ويكنى ابا المغوار واسمه هرم
وبعضهم يقول : اسمه شبيب ويحتج ببيت روى في هذه القصيدة :
( أقام وخلى الظاعنين شبيب ) .