وقد بلغ من علو شأن كعب حينئذ أنه كان يلقى دروسه في المسجد ، فقد
نقل الدكتور أحمد أمين ( 1 ) عن طبقات بن سعد حكاية عن رجل دخل المسجد
فإذا عامر بن عبد الله بن عبد القيس جالس إلى كتب ، وبينها سفر من أسفار
التوراة ، وكعب يقرأ ( 2 ) .
وقد أثبت علماء الحديث أمر أخذ أبي هريرة وغيره عن كعب الأحبار
وذلك في باب ( رواية الأكابر عن الأصاغر ، أو الصحابة عن التابعين )
وقد عدوا كعبا من كبار التابعين ، قال السيوطي في ألفيته :
وقد روى الكبار عن صغار * في السن أو في العلم والمقدار ( 3 )
ومنه أخذ الصحب من أتباع * وتابع عن تابع الاتباع
كالحبر عن كعب وكالزهري * عن مالك ويحيى الأنصاري
وقال شارح الألفية الشيخ أحمد شاكر رحمه الله : ومن هذا النوع
رواية الصحابي عن التابعين كرواية الحبر عبد الله بن عباس وسائر العبادلة
( وأبي هريرة ) وأنس وغيرهم عن كعب الأحبار ( 4 ) ا هو أبو هريرة وابن عباس
كانا أكثر من نشر علم كعب الأحبار ، ويبدو أن أبا هريرة كان أكثر
الصحابة انخداعا به ، وثقه فيه ، ورواية عنه ، كما كان أكثرهم رواية للحديث
هامش
( 1 ) ص 198 فجر الاسلام .
( 2 ) ص 79 ج 7 . طبقات بن سعد .
( 3 ) ص 237 و 238 وورد مثل هذه الأبيات في ألفية العراقي راجع 832 و 833
من فتح المغيث بشرح ألفية الحديث للعراقي .
( 4 ) كعب الأحبار أكبر أحبار اليهود في عصره أسلم في عهد عمر إسلاما ظاهرا ليخدع
المسلمين ، وبث هو وزميليه وهب بن منبه وعبد الله بن سلام في الاسلام ما بثوا ، وكان من أعمال
الخطيرة أن اشترك في مؤامرة قتل عمر - وقال له عمر : دعنا من يهوديتك ، وأنذره إذا لم يكف عن
التحديث أن ينفيه . وقد كانوا - كما قال سبط بن الجوزي في مرآة الزمان - يتوقفون فيما يرويه ،
وقال ابن كثير : لما أسلم في الدولة العمرية جعل يحدث عمر عن كتبه قديما فربما استمع له عمر
فترخص الناس في استماع ما عنده غثه وسمينه - ص 17 ج 4 من تفسيره ، ولما وجد أنه تمادى في الحديث
نهاه عن التحديث كما نهى أبا هريرة وقال عنه معاوية إنا كنا نبلو عليه الكذب ، وانظر كلامنا عن هذا
الكاهن وغيره من كهان اليهود وما بثوه في الدين الاسلامي من الإسرائيليات وذلك في كتابنا ( أضواء على
السنة المحمدية ) الطبعة الثالثة .