وعقد بديع الزمان الهمذاني مقامة خاصة بين مقاماته سماها ( المقامة
المضيرية ) غمز فيها أبا هريرة غمزة أليمة فقال :
حدثنا عيسى بن هشام ، قال : كنت في البصرة ومعي أبو الفتح
الإسكندري ، رجل الفصاحة ، يدعوها فتجيبه ، والبلاغة يأمرها فتطيعه ،
وحضرنا معه دعوة بعض التجار فقدمت إلينا مضيرة ، تثنى على الحضارة ،
وتترجرج في الغضارة وتؤذن بالسلامة - وتشهد لمعاوية بالإمامة !
وقال أستاذنا الإمام محمد عبده رضي الله عنه في شرح هذه العبارة :
" ومعاوية ادعى الخلافة بعد بيعة علي بن أبي طالب رضي الله عنه ، فلم
يكن من يشهد له بها في حياة على ، إلا طلاب اللذائذ ، وبغاة الشهوات ،
فلو كانت هذه المضيرة من طعام معاوية لحملت آكليها على الشهادة له بالخلافة ،
وإن كان صاحب البيعة الشرعية حيا ، وإسناد الشهادة إليها لأنها سببها الحامل
عليها ، والإمامة والخلافة في معنى واحد ( 1 ) .
وقد حملت فعلا أبا هريرة وغيره على الشهادة لمعاوية بالخلافة !
وإذا كان الأستاذ الامام لم يذكر أبا هريرة صراحة ، فإنه قد وفاه حسابه
تلميحا .
وكذلك فعل الهمذاني ( 2 )
هامش
( 1 ) ص 109 ، وأمر هذه المضيرة وشيخها ثابت على مر التاريخ لا يمترى فيه باحث عالم
مدقق لم يلعب بعقله الهوى ، وقد جرى لقب ( شيخ المضيرة ) على ألسنة الناس من عهد معاوية بن أبي سفيان
ودونه كبار المؤرخين في كتبهم - كما رأيت ، وقد التصق لقب ( شيخ المضيرة ) بأبي هريرة لا ينفك
عنه حتى إنه إذا ذكر هذا اللقب مجردا فإنه لا ينصرف إلا إليه . وكان الدكتور طه حسين قد استراب
في هذا الخبر وفى خبر اشتراك كعب الأحبار في مؤامرة قتل عمر كما بيناه آنفا في صفحة 48 ، ويراجع
ردنا على الدكتور طه حسين فيما سماه هنات وذلك في كتابنا . الأضواء الطبعة الثالثة .
( 2 ) مما يجب التنبيه عليه هنا أن بديع الزمان الهمذاني كان " ثقة في الحديث يعرف الرجال
والمتون متعصبا لأهل الحديث والسنة ( ص 162 ج 2 معجم الأدباء ) فكلامه هذا يعتبر ولا ريب طعنا
صريحا في أبي هريرة ورواياته - ولو كان لأبي هريرة قدر عند هذا العالم المحدث الكبير لما رماه بهذا
النبذ المعيب الذي يلاحقه على مد العصور .