ومن هذه المقارنة بين صنع الله وصنع الانسان نصل إلى بعض النكات التي تتعلق بموضوع
بحثنا وهي : -
1 - الأثر يدل على المؤثر :
يدرك الانسان بصورة فطرية أن لكل مصنوع صانعاً ، كما يدرك كل فرد - مثقفاً كان أو
أمياً ، وحشياً أو متمدناً - أن للطائرة والسيارة صانعاً صنعهما ، وإن للعمارات
الصغيرة والضخمة بانياً بناها ، ولقد كانت القبائل الوحشية تدرك هذا الموضوع أيضاً
، فعندما كان أحد يرى آثار أقدام إنسان أو حيوان في صحراء واسعة مغطاة بالثلوج ،
كان يقطع بأن إنساناً أو حيواناً قد عبر من تلك المنطقة . وإذا صادف كوخاً صغيراً
وسط صحراء قاحلة قائماً على بعض قطع الأخشاب والأشواك كان يحكم بوجود صانع لذلك
الكوخ ، وبالنسبة إلى الكون الذي هو صنع الله تعالى يوجد في فطرة كل إنسان هذا
النوع من الادراك . فعندما يشاهد شروق الشمس والقمر وغروبهما ، وعندما
يرى الربيع واخضرار الأشجار أو الخريف واصفرار أوراقها ، وعندما يلتفت إلى الرعد
والبرق والمطر يحس في وجدانه الباطني أن قوة عظيمة وثابتة هي التي أوجدت هذا النظام
فيميل إلى البحث عن مصادر هذه القوة . هذا الادراك الطبيعي الموجود في باطن جميع
الأفراد بقلم القضاء الإلهي هو تلك المعرفة الفطرية التي يعبر عنها الإمام ( ع )
بأنها ليست اكتسابية وأنها مخلوقة من قبل الله في باطن كل فرد .
2 - المعرفة الاجمالية والايمان التفصيلي :
إن كل فرد يدرك بفطرته أن للطائرة النفاثة صانعاً ، وكل فرد يدرك بصورة طبيعية أن
للقاح الخناق الذي يخلص آلاف الأطفال من الموت الحتمي مخترعاً ، ولكن هذا لا يكفي
في نظر جميع العقلاء والعلماء في الإشادة بفضل مهندس مخترع أو طبيب مكتشف . فلو
أرادت دولة أو أمة أن تحترم جهود هؤلاء الذين خدموا البشرية يجب عليهم أن يتجاوزوا
دور المعرفة الجزئية إلى مرحلة أرقى ، وهي ذكر أسماء المخترعين وهوياتهم وتشجيعهم
عن طريق تقديم الهدايا والجوائز إليهم .
الطفل بين الوراثة والتربية — صفحة 261
مساهمون: الشيخ محمد تقي فلسفي
ص٢٦١