تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الهداية في الأصول تقريراً لأبحاث السيد أبو القاسم الخوئي — صفحة 139

مساهمون:

ص١٣٩

بالاقتضاء فيما إذا كان هناك واجبان مضيّقان أحدهما أهمّ ، أو واجبان أحدهما : موسّع ، والآخر : مضيّق ، لا ما إذا كان واجبان كلاهما موسّعان ، أو لا يكون أحدهما أهمّ ، فإنّه أجنبيّ عن المقام ، يعني يثبت بهذه المسألة صغرى - وهي أنّ هذه العبادة كالصلاة مثلا منهيّ عنها ، لأنّها مقدّمة لترك الواجب الفعليّ ، وهو الإزالة - لكبرى : أنّ النهي في العبادة يقتضي فسادها ، فينتج فساد الصلاة . وشيخنا البهائي ( 1 ) رحمه اللَّه أنكر هذه الثمرة بدعوى أنّ الصلاة - مثلا - حيث إنّها مضادّة للإزالة الواجبة بالفعل لا تكون مأمورا بها ، إذ الأمر بها حينئذ يرجع إلى طلب المحال ، وهو محال في حقّه تعالى ، فإذا لم تكن مأمورا بها ، فلا تصحّ ، سواء قلنا بالاقتضاء أو لم نقل [ 1 ] .

هامش
( 1 ) زبدة الأصول : 82 - 83 . .
[ 1 ] والإنكار في محلَّه ، إذ لو اعتبرنا في صحّة العبادة تعلَّق الأمر بها ، فلا يمكن تصحيح العبادة على كلا القولين ، كما أفاده البهائي قدّس سرّه ، وإن اكتفينا في ذلك بوجود الملاك - كما هو المختار - تصحّ العبادة مطلقا . أمّا على القول بعدم الاقتضاء : فواضح . وأمّا على القول به : فلأنّ النهي المتعلَّق بالعبادة على هذا بما أنّه نهي غيريّ لم ينشأ من مفسدة في متعلَّقه موجبة لمبغوضيته ، بل بعد هي على محبوبيتها لا يقتضي فسادها . الثمرة الثانية : ما أفاده المحقّق الثاني قدّس سرّه ، وهو فساد الضدّ العبادي الموسّع - كصلاة الظهر لو كان مزاحما بواجب مضيّق ، كالكسوف - على الاقتضاء والقول بلزوم الأمر في صحّة العبادة ، وصحّته على القول بعدمه . توضيحه : أنّ المأمور به لو كان صرف الوجود ، يكون الأمر متعلَّقا بالطبيعة لا بخصوصيّة أفرادها ، وكلّ ما وجد في الخارج من الأفراد فهو مصداق للمأمور به ، وليس هو بمأمور به ، سواء في ذلك الفرد المزاحم وغيره . مثلا : لو أمر المولى عبده بأن يتكلَّم بكلام ، فقال العبد في مقام الامتثال : « زيد قائم » لا يكون هذا الكلام بعينه مأمورا به بحيث لو كان آتيا بكلام آخر لم يكن ممتثلا ، وحينئذ نقول بناء على الاقتضاء : يتعلَّق النهي بالفرد المزاحم للواجب المضيّق ، وهذا النهي يوجب لا محالة تقييد الأمر بالطبيعة بغير الحصّة المتحقّقة في ضمن هذا الفرد ، فبناء على اعتبار الأمر في صحّة العبادة لا يمكن تصحيح هذا الفرد ، لعدم الأمر به على الفرض وتقييد الأمر بالطبيعة أيضا بغيره . وأمّا بناء على عدم الاقتضاء فحيث لا يكون الفرد المزاحم منهيّا عنه حتى يقيّد الأمر بالطبيعة بغيره ، والفرد المزاحم كغيره من الأفراد في عدم كونه بنفسه مأمورا به ، وانطباق المأمور به عليه ومصداقيته له بلا تفاوت بين الأفراد في ذلك ، فيمكن الإتيان بالفرد المزاحم بداعي الأمر بالطبيعة . وبعبارة أخرى : ما يكون مزاحما - وهو الفرد - غير مأمور به ، وما هو مأمور به - وهي الطبيعة - غير مزاحم ، فلا مانع من صحّة الفرد المزاحم إذا أتي [ به ] بداعي الأمر بالطبيعة ، لعدم لزوم إتيان الفرد بداعي الأمر المتعلَّق به ، بل عدم جوازه ، فإنّه تشريع ، لما عرفت من عدم تعلَّق الأمر بالفرد بخصوصيّته ، فلو أتي به بهذا العنوان ، يكون باطلا محرّما . وبالجملة ، لو اعتبرنا وجود الأمر في صحّة التقرّب أو عجزنا عن كشف الملاك - لو صحّحنا التقرّب بالملاك - لا إشكال في ترتّب هذه الثمرة ، وأنّ الفرد المزاحم للواجب المضيّق يقع فاسدا على القول باقتضاء الأمر للنهي عن ضدّه ، وذلك لتقييد إطلاق الأمر بالطبيعي حينئذ بما يتحقّق في غير هذا الفرد ، ويقع صحيحا على القول بعدم الاقتضاء إذا أتي به بداعي الأمر المتعلَّق بالطبيعة ، لعدم ما يوجب تقييد إطلاق الأمر بالطبيعة ، ومع إطلاقه للفرد المزاحم لا وجه للحكم بفساده . وقد أورد على ذلك بوجوه : الأوّل : أنّ المأمور به في الواجب الموسّع إمّا أن يكون الطبيعي المتحقّق في ضمن هذا الفرد المزاحم أو الطبيعي المتحقّق في ضمن غيره من الأفراد أو الطبيعي مطلقا . وبعبارة أخرى : الطبيعي بالنسبة إلى الفرد المزاحم إمّا أن يلاحظ بشرط شيء أو بشرط لا أو لا بشرط . والأوّل غير معقول ، فإنّه طلب للضدّين . والثاني غير مفيد ، إذ عليه الفرد المزاحم لا يكون فردا للمأمور به . والثالث لازمه طلب الضدّين في زمان المزاحمة . والجواب : أنّ المأمور به هو الطبيعي مطلقا ولا بشرط ، ولا محذور فيه ، لما مرّ غير مرّة أنّ معنى الإطلاق رفض القيود وإلغاؤها بعد لحاظها ، لا أخذها وجمعها ، فالآمر إذا لاحظ كلّ قيد من قيود متعلَّق أمره ورأى أنّ غرضه تعلَّق بصرف وجود الطبيعة من دون دخل أيّ خصوصية من الخصوصيّات الفرديّة في حصول غرضه فلا محالة يأمر بالطبيعي على إطلاق وسريانه ، فلا مانع من إطلاق الأمر بالواجب الموسّع بهذا المعنى من الإطلاق . وتوهّم : أنّ تقييد الطبيعي بخصوص هذا الفرد إذا كان مستحيلا ، فالإطلاق أيضا مستحيل ، فإنّ التقابل بين الإطلاق والتقييد يكون من تقابل العدم والملكة ، مدفوع بما ذكرنا في بحث التعبّدي والتوصّلي من أنّ تقابلهما في مقام الإثبات وإن كان كذلك إلَّا أنّهما في مقام الثبوت متقابلان تقابل السلب والإيجاب . هذا ، مضافا إلى أنّ استحالة أحد المتقابلين - تقابل العدم والملكة - لا توجب استحالة المقابل الآخر ، بل ربّما توجب ضرورية الآخر ، كما في علم الممكن بذات البارئ تعالى ، فإنّه مستحيل مع أنّ الجهل به ضروريّ له . الثاني : أنّ شمول الإطلاق للفرد غير المقدور لغو محض بحيث يقبح التصريح به بأن يقول المولى مثلا : » صلّ في أيّ مكان شئت في السماء أو في الأرض « . وفيه : أنّ غير المقدور شرعا شمول الإطلاق له لا لغويّة فيه ، فإنّ فائدته اكتفاء المكلَّف بالفرد المزاحم وتحقّق الامتثال به على تقدير عصيان الواجب المضيّق والإتيان به بل غير المقدور عقلا أيضا - إذا أمكن صدوره من المكلَّف بلا اختيار منه - لا مانع من شمول الإطلاق له لترتّب تلك الفائدة عليه . نعم ، غير المقدور عقلا إذا لم يمكن صدوره من المكلَّف بوجه من الوجوه لا يمكن شمول الإطلاق له ، فإنّه لغو لا فائدة فيه . الثالث : أنّ زمان المزاحمة لا يمكن التكليف بالطبيعة فيه ، إذ الحصّة المزاحمة منها غير مقدورة شرعا ، فلا يمكن التكليف بها ، وباقي الحصص يمكن التكليف بها بعد الإتيان بالمضيّق لا قبله . وهذا الإشكال وارد على من يرى استحالة الواجب التعليقي . وأمّا على المختار من إمكانه فيمكن التكليف فعلا بالجامع بين المقدور وغير المقدور ، فإنّه مقدور ولا يلزم القدرة على متعلَّق التكليف حال التكليف . فالحقّ صحّة ما أفاده المحقّق الثاني قدّس سرّه ، وسيجئ أنّا لا نقول بالترتّب إلَّا في المضيّقين اللذين يكون أحدهما أهمّ من الآخر ، وأمّا في الواجبين اللذين يكون أحدهما موسّعا والآخر مضيّقا فيمكن الأمر بهما عرضا ، فلا نحتاج إلى الالتزام بالترتّب . ( م ) .