رسول الله بكذا « أو » افعل كذا « أو » آمرك بكذا « وأمثال ذلك ليس إلَّا إظهار الميل بالفعل ، لكن بضميمة حكم العقل بأنّ كلّ أمر صدر من المولى تجب إطاعته إلَّا أن يرخّص في الترك ، وهذه القضية الكلَّية هي كبرى قياس صغراه : » هذا أمر لم يثبت الترخيص فيه « ونتيجته هو وجوب امتثال هذا الأمر وإطاعته وعدم قبح العقاب على مخالفته حيث ليس للعبد الاعتذار عند مؤاخذة المولى بقوله : » لم خالفتني إذ أمرتك « .
فاتّضح أنّ الوجوب لا يستفاد من الأمر ، بل هو مستفاد من مقدّمة خارجية عقلية ، والتعبير بأنّ الأمر دالّ على الوجوب أو ظاهر فيه تعبير مسامحي [ 1 ] .
هامش
[ 1 ] أقول : يمكن أن يقال : إنّ حكم العقل هذا ناش من كون الأمر ظاهرا في الوجوب ، فعليه كون الأمر ظاهرا في الوجوب متقدّم على حكم العقل بلزوم الامتثال ، وحكمه هذا معلول له ، وهذا هو مراد القائل بكونه ظاهرا في الوجوب ، فثبت أنّ الأمر بمادّته ظاهر في الوجوب ، ونستكشفه من حكم العقل هذا .
وبعبارة أخرى : إنّ الإهمال في الواقعيّات مستحيل ، فإنّ إظهار الميل بالفعل أمره دائر بين أمور أربعة :
فإن كان معناه الإلزام وحكم العقل بلزوم الامتثال مبتن عليه ، فهذا خلاف المدّعى بمعنى أنّ الوجوب ليس أمرا عقليّا بل مستفاد من اللفظ .
وإن كان معناه الاستحباب أو الجامع بين اللزوم والاستحباب أو كان مجملا ، فليس للعقل حكم بلزوم الامتثال .
ويشهد عليه أو ينتقض عليهم : أنّ العلماء من الأصوليّين والأخباريّين - حتى القائل بهذه المقالة هنا - ذهبوا في بحث البراءة إلى جريان قبح العقاب بلا بيان في الشبهة الوجوبية ، فيعلم منه أنّ بيان اللزوم والاستحباب على المولى ، وبدونه يحكم العقل بعدم العقاب .
وأيضا كيف فكَّكوا بين بيان جواز الترك وبيان عدم جوازه بأنّ الأوّل من وظائف الشرع دون العقل ، بخلاف الثاني .
وأيضا يرد عليهم : أنّ الأخذ بالقدر المتيقّن عند كون الدليل لبّيّا وإجزاء البراءة بالنسبة إلى المشكوك وجوبه مع إحراز الرجحان ينافي ذلك .
وأيضا يرد عليهم ما يغيّر قواعد الأصول في باب العام والخاصّ والمقيّد والمطلق .
وذلك إذا ورد » أكرم الفقهاء « فليس فيه وجوب ولا استحباب عند هذا القائل ، بل كلّ منهما يستفاد من حكم العقل ، وإذا ورد » لا بأس بأن لا تكرم العلماء وإكرامهم أحبّ إليّ « فهذا عام وسابقه خاص إذا قلنا باستفادة الوجوب من الأمر واللفظ الصادر من المولى ، فالجمع العرفي يقتضي أن نقول : إكرام العالم الفقيه واجب وغير الفقيه جائز ، حيث يحمل العامّ على الخاصّ .
وأمّا إذا قلنا بالوجوب العقلي فبعد ورود : » لا بأس بأن لا تكرم العلماء « يحكم العقل بعدم لزوم إكرام أيّ عالم حتى الفقيه ، فيرتفع التنافي الابتدائي بين العامّ والخاصّ ، فلا وجه لحمل العامّ على الخاصّ ، لعدم التنافي .
وبعبارة أخرى : لازم هذا القول هو حمل العامّ على الخاصّ والمطلق على المقيّد في الجملة لا بالجملة . ( م ) .