تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحدائق الناضرة — صفحة 511

مساهمون:

ص٥١١
" قال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) من جلس في مصلاه ثانيا رجله وكل الله به ملكا فقال له ازدد شرفا تكتب لك الحسنات وتمحى عنك السيئات وتثبت لك الدرجات حتى تنصرف " وروى في كتاب دعائم الاسلام مثله ( 1 ) إلا أن فيه " ثانيا رجليه " .
وروى في التهذيب مسندا عن أبي بصير عن أبي عبد الله ( عليه السلام ) ( 2 ) أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ورواه في الفقيه ( 3 ) مرسلا " أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قال إذا فرغ أحدكم من الصلاة فليرفع يديه إلى السماء ولينصب في الدعاء ؟ فقال ابن سبأ يا أمير المؤمنين أليس الله بكل مكان ؟ قال ( عليه السلام ) بلى . قال فلم يرفع يديه إلى السماء ؟ قال أو ما تقرأ : " وفي السماء رزقكم وما توعدون " ( 4 ) فمن أين يطلب الرزق إلا من موضعه ، وموضع الرزق وما وعد الله السماء " قيل المراد بالسماء السحاب وبالرزق المطر لأنه سبب الأقوات ، وما توعدون أي من الثواب لأن الجنة فوق السماء السابعة أو لأن الأعمال وثوابها مكتوبة مقدرة في السماء ، والحاصل أنه لما كان تقدير الرزق وأسبابه في السماء والمثوبات الأخروية وتقديرها في السماء ناسب رفع اليد إليها في طلب الأمور الدنيوية والأخروية في التعقيب وغيره . وابن سبا هذا هو الذي كان يزعم أن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) إله فاستتابه أمير المؤمنين ثلاثة أيام فلم يتب فأحرقه ( 5 ) .
هامش
( 1 ) مستدرك الوسائل الباب 1 من التعقيب ( 2 ) الوسائل الباب 29 من التعقيب ( 3 ) الوسائل الباب 29 من التعقيب ( 4 ) سورة الذاريات ، الآية 22 ( 5 ) قال العلامة في القسم الثاني من الخلاصة : عبد الله سبأ غال ملعون أحرقه أمير المؤمنين " ع " بالنار ، كان يزعم أن عليا " ع " إله وأنه نبي . وفي تنقيح المقال ج 2 ص 183 عن الشيخ الطوسي في باب أصحاب أمير المؤمنين " ع " : عبد الله بن سبأ الذي رجع إلى الكفر وأظهر الغلو . وفي رجال الكشي ص 70 " أن الأئمة " ع " يبرأون منه لأنه كان يدعى النبوة ويزعم أن عليا " ع " هو الله فاستتابه ثلاثة أيام فلم يرجع فأحرقه بالنار وأحرق سبعين رجلا ادعوا فيه ذلك " وذلك مضمون ما رواه بطرقه عن السجاد والباقر والصادق " عليهم السلام " وهو خمس روايات . وقد نقل في الوسائل اثنتين منها في الباب 2 من حد مرتد . أقول : أن هذه الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت " عليهم السلام " والكلمات الصادرة من أعلام الشيعة دليل قاطع وبرهان ساطع على سخط أئمة الشيعة وأعلامهم على هذا الرجل وأنهم يبرأون منه لكفره وغلوه بل بعض الروايات تصرح - كما في كلام الكشي - بأن عليا " ع " أحرق سبعين رجلا ادعوا فيه ذلك ، مما يدل على تنفيذ حكم الاعدام فيه وفي كل من قال بمقالته . ولا يخفى أن المقارنة بين الرواية المتقدمة في المتن وهذه الروايات الخمس تقتضي أن هذا الانحراف كان في زمان متأخر عن المحاورة بينه وبين الإمام " ع " التي اشتملت عليها الرواية . ومع هذا كله فقد وجد أعداء الشيعة في هذه الشخصية خير وسيلة لتحطيم مذهب الشيعة الذي تأسس وتكون على ضوء قول الله تعالى في سورة المائدة " إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون " وقول النبي " ص " في حديث الغدير " من كنت مولاه فهذا على مولاه " بعد قوله " ص " " ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم " وقول المسلمين " اللهم بلى " وقوله " ص " " على مع الحق والحق مع علي يدور معه حيثما دار " وقوله " ص " لعلى " ع " " أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي " إلى غير ذلك مما يدل على المطلوب ، ووجدوا فيه خير وسيلة لتشويه مذهب أهل البيت " ع " الذين أنزل الله فيهم آية التطهير وأوصى النبي " ص " بالتمسك بهم وقرنهم بالقرآن في حديث الثقلين ، فجعلوه المؤسس لمذهب التشيع والمبتدع لأصوله واعتبروه مأخوذا من اليهود ، فالكشي - بعد أن حكى عن أهل العلم أن عبد الله بن سبأ كان يهوديا فأسلم ووالى عليا " ع " وكأن يقول وهو على يهوديته في يوشع بن نون وصي موسى " ع " الغلو فقال في اسلامه بعد وفاة رسول الله " ص " في علي " ع " مثل ذلك وكان أول من أشهر بالقول بفرض إمامة علي " ع " وأظهر البراءة من أعدائه وكاشف مخالفيه وكفرهم - قال " فمن هنا قال من خالف الشيعة إن أصل التشيع والرفض مأخوذ من اليهودية " وقد تصدى المؤرخون لهذا الأمر كالطبري وابن عساكر وابن الأثير وأبي الفداء وابن كثير ، وملخص ما ذكروه في هذه القصة - كما في مدخل كتاب عبد الله بن سبأ للعلامة الأستاذ السيد مرتضى العسكري ص 2 - أن يهوديا من صنعاء اليمن يسمى عبد الله بن سبأ ويلقب بابن الأمة السوداء أظهر الاسلام في عصر عثمان واندس بين المسلمين وأخذ يتنقل في حواضرهم وعواصم بلادهم . الشام والكوفة والبصرة ومصر مبشرا بأن للنبي " ص " رجعة كما أن لعيسى بن مريم رجعة وأن عليا " ع " هو وصي محمد " ص " كما كان لكل نبي وصي وأن عليا خاتم الأوصياء كما كان محمد " ص " خاتم الأنبياء وأن عثمان غاصب هذا الحق وظالمه فيجب مناهضته لارجاع الحق إلى أهله ، وأنه بث في البلاد الاسلامية دعاته وأشار عليهم أن يظهروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والطعن في الأمراء وتبعه على ذلك جماعات من المسلمين فيهم الصحابي الكبير والتابعي الصالح كأبي ذر وعمار بن ياسر ومحمد بن أبي حذيفة وعبد الرحمان بن عديس ومحمد بن أبي بكر وصعصعة ابن صوحان ومالك الأشتر إلى غيرهم من أبرار المسلمين وأخيارهم ، وأن الثورة ضد عثمان كانت بتحريض السبأيين وأنهم حينما رأوا أن رؤساء الجيشين في حرب الجمل أخذوا يتفاهمون اجتمعوا ليلا وقرروا أن يندسوا بين الجيشين ويثيروا الحرب بكرة دون علم غيرهم ونفذوا هذا القرآن قبل أن يتنبه الجيشان وأن حرب الجمل وقعت هكذا دون أن يكون لرؤساء الجيشين فيها رأي أو علم . إلى هنا تنتهي القصة ولا يذكر بعد ذلك عن مصيرهم شئ . وقد جاء المتأخرون من أعداء الشيعة فطبلوا وزمروا لما كتبه أسلافهم فهذا السيد رشيد رضا يقول في كتاب السنة والشيعة ص 4 - 6 " كان التشيع للخليفة الرابع علي بن أبي طالب " ع " مبدأ تفرق هذا الأمة المحمدية في دينها وفي سياستها وكان مبتدع أصوله يهوديا اسمه عبد الله بن سبأ أظهر الاسلام خداعا ودعا إلى الغلو في علي " ع " لأجل تفريق هذه الأمة وافساد دينها ودنياها عليها " ثم يسرد القصة إلى ص 6 من كتابه ويعلق عليها بما يهوى . وهذا أحمد أمين يقول في فجر الاسلام ص 136 : " وتلمح وجه شبه بين رأي أبي ذر الغفاري وبين رأي مزدك في الناحية المالية فقط . . إلى أن يقول ولكن من أين أتاه هذا الرأي ؟ يحدثنا الطبري عن جواب هذا السؤال فيقول إن ابن السوداء لقي أبا ذر فأوعز إليه ذلك " ثم ذكر في ص 311 و 313 و 330 ما يوافق مقالة صاحبه المتقدم وهذا الدكتور حسن إبراهيم حسن يذكر في كتابه تاريخ الاسلام السياسي ص 347 مثل ذلك وهكذا المستشرقون . هذا . وأن كل من تعرض لهذه القصة من المؤرخين والباحثين ما عدا ابن عساكر أخذ هذه القصة من الطبري وأن الطبري وابن عساكر أخذاها من سيف بن عمر التميمي البرجمي الكوفي فكل هذا البناء يبتنى على هذا الأساس إذن فلننظر إلى قيمة هذا الأساس واعتباره ، تصرح كتب الرجال في ترجمة سيف بن عمر بما يلي : " يروي عن خلق كثير من المجهولين . ضعيف الحديث . ليس بشئ . متروك يضع الحديث . وهو في الرواية ساقط . يروي الموضوعات عن الثقاة . عامة حديثه منكر . متهم بالوضع والزندقة " راجع فهرست ابن النديم ص 137 وميزان الاعتدال للذهبي ج 1 ص 438 رقم 3581 وتهذيب التهذيب ج 4 ص 295 نقلا عن جماعة من علماء الرجال كابن معين وأبي حاتم وأبي داود النسائي والدارقطني وابن عدي وابن حيان وعباس بن يحيى وغيرهم . فانظر أيها المنصف وتأمل في هذا المنطق الذي يسوغ الاقدام على هذه العظائم والطعن بكبار الصحابة والتابعين والحط من مقامهم بهذه القصة التي يقصها سيف بن عمر الذي ليست له أية قيمة عند علماء الرجال بل صرحوا بوضعه الحديث وزندقته ، كل ذلك لإضاعة الحقائق والتمويه على البسطاء والسذج من الناس . هذا . ومن العجيب أن التأريخ الذي يصور شخصية عبد الله بن سبأ بهذه الصورة حتى أوصلها الرقم القياسي في التأثير على عواطف المسلمين وآرائهم وانتزاع عقائدهم ينهي قصته إلى حيث تقدم من إثارة حرب الجمل وبجهل كل شئ عنها بعد ذلك . وقال أحمد أمين في هامش ص 330 من فجر الاسلام : " يذهب بعض الباحثين إلى أن عبد الله بن سباء رجل خرافي ليس له وجود تاريخي محقق ولكنا لم نر لهم من الأدلة ما يثبت مدعاهم " والظاهر أنه يقصد الدكتور طه حسين . هذا . وقد بحث العلامة الأستاذ السيد مرتضى العسكري دامت بركاته الموضوع بحثا وافيا وشرحه شرحا ضافيا وكشف الستار عن حقيقة أحاديث سيف بن عمر التي بنى عليها المؤرخون والباحثون القضايا التاريخية المهمة في مدخل كتابه عبد الله بن سبأ ومن قبله آية الله الأميني فقد أوضح قيمة تاريخ الطبري وغيره في الغدير ج 8 ص 324 ( جزاهما الله عن الحق وأهله خير الجزاء ) وكل ما تقدم في هذه التعليقة من المصادر مأخوذ من كتاب عبد الله بن سبأ فيرجع في التفصيل إليه .
الحدائق الناضرة — صفحة 511 | المحقق البحراني / محمد تقي الإيرواني