تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاحكام — صفحة 1147

مساهمون:

ص١١٤٧
ويمتاز الحق من الباطل ، ثم بنص القرآن وبيان رسول الله صلى الله عليه وسلم للدين ، إذ لا سبيل إلى السلامة في الآخرة إلا بهذين السبيلين . والحمد لله رب العالمين ، وهو المسؤول أصحاب الهداية حتى نلقاه على أفضل أحوالنا ، آمين . قال أبو محمد : وكل هذه المقالات الفاسدة التي ذكرنا قد بينا بطلانها بالبراهين الضرورية في كتابنا المرسوم بكتاب الفصل في الملل والنحل والحمد لله رب العالمين . ونقول في ذلك ههنا قولا كافيا ، يليق بغرض كتابنا هذا إن شاء الله تعالى فنقول وبالله تعالى التوفيق . إن أول ضلال هذه المسألة قياسهم الله تعالى على أنفسهم في قولهم : إن الحكم بيننا لا يفعل شيئا إلا لعلة ، فوجب أن يكون الحكيم عز وجل كذلك . قال أبو محمد : وهم متفقون على أن القياس هو تشبيه الشئ بالشئ ، فوجب أنهم مشبهون الله تعالى بأنفسهم ، وقد أكذبهم الله تعالى في ذلك بقوله : * ( ليس كمثله شئ ) * ولو أن معارضا عارضهم فقال : لما كنا نحن لا نفعل إلا لعلة ، وجب أن يكون تعالى بخلافنا ، فوجب ألا يفعل شيئا لعلة لكان أصوب حكما وأشد اتباعا لقوله : * ( ليس كمثله شئ ) * وبالله تعالى التوفيق . وأيضا : فإنهم بهذه القضية الفاضحة قد أدخلوا ربهم تحت الحدود والقوانين وتحت رتب متى خالفها لزمه السفه ، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا ، وهذا كفر مجرد دون تأويل ، ولزمهم - إن طردوا هذا الأصل الفاسد - أن يقولوا : لما وجدنا الفعل منا لا يكون إلا جسما مركبا ذا ضمير وفكرة وجب أن يكون الفعال الأول جسما مركبا ذا ضمير وفكرة تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا . قال أبو محمد : فهذا يلزمهم كما ذكرنا . ثم نبين بالبرهان الضروري بطلان قضيتهم من غير طريق إلزامهم طردها فنقول بالله تعالى التوفيق : إن الحكيم منا إنما صار حكيما لأنه انقاد لأوامر ربه تعالى ، ولتركه نواهيه ، فهذا هو السبب الموجب على الحكيم منا ألا يفعل شيئا إلا لمنفعة ينتفع بها في معاده أو لمضرة يستدفعها في معاده . وأما الباري تعالى فلم يزل وحده ولا شئ معه ولا مرتب قبله فلم يكن على الله تعالى رتبة توجب أن يقع الفعل منه على صفة ما دون
الاحكام — صفحة 1147 | ابن حزم