الحيوانات بيننا حتى تتقابل كالديكة والكباش والقبج وقتلها لغير أكل أنه
غاية السفه ، والباري تعالى يفعل كل ذلك ويقتل الحيوانات لغير أكل ، ويسلط
بعضها دون مثوبة للقاتل منهما ولا المقتول ، وهو أحكم الحاكمين .
وهذا خلاف الرتبة بيننا فبطل قوله : إن الله تعالى لا يفعل شيئا إلا لمصالح
عباده ، وصح بالضرورة أنه يفعل ما يشاء لصلاح ما شاء ، ولفساد ما شاء ، ولنفع
من شاء ، ولضر من شاء ، ليس ههنا شئ يوجب إصلاح من صلح ، ولا إفساد
من أفسد ، ولا هدي من هدى ولا إضلال من أضل ، ولا إحسان إلى من أحسن
إليه . ولا الإساءة إلى من أساء إليه ، لكن فعل ما شاء * ( لا يسأل عما يفعل وهم
يسئلون ) * وهم دائبا يسألون ربهم . لم فعلت كذا ، كأنهم لم يقرؤوا هذه الآية
نعوذ بالله من الخذلان .
ونجده عز وجل قد حبب بين زوجين حتى أطاعاه وحبب بين آخرين حتى
عصياه واشتغلا بما هما فيه عن الصلاة في أوقاتها وجذم صالحا وطالحا ، وسلم
صالحا وطالحا وابتلى قوما فصبروا وابتلى قوما فكفروا وعافى قوما فصبروا
وشكروا ، وعافى آخرين فبطروا وكفروا ، وعمر صالحا وطالحا أقصى العمر ،
واخترم صالحا وطالحا في حداثة السن ، وجعل عيسى عليه السلام نبيا حين سقوطه
من بطن أمه ، وآتى يحيى الحكم صبيا ، وبسط لفرعون أنواع الغرور حتى قال :
أنا ربكم الاعلى ، وخلق قوما ألباء فهماء كفارا كالفيومي اليهودي ، وأبي ريطة
اليعقوبي ، وقوما ألباء فهماء مسلمين ، وقوما بلداء كفارا ، وقوما بلداء مسلمين ،
فبأي شئ استحق عنده هؤلاء أن يرزقهم الفهم ؟ وهؤلاء أن يمنعهم إياه ؟ .
فإن قالوا : لو رزق بلداء الكفار الفهم لكانوا ضررا على المسلمين ، أريناهم من
ذكرنا ممن كان ضررا عليهم ، فصح تناقضهم وأكذبهم الباري عز وجل بقوله :
* ( إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ) . بقوله تعالى * ( أنما نمدهم به من مال وبنين نسارع
لهم في الخيرات ) * فأخبر تعالى أنه أنما أملى لهم لضررهم لا لنفعهم ولا لمصلحتهم
وكذلك يكذبهم أيضا قوله تعالى * ( إنما يريد الله أن يعذبهم بها في الحياة
الاحكام — صفحة 1149
مساهمون: ابن حزم
ص١١٤٩