وكصوم رمضان دون شعبان ، وكالحدث من أسفل ، فيغسل له الأنواع ، وكأنواع
الزكاة وسائر الشرائع كلها ، وليس أحد من القائلين بالقياس إلا وقد تركه في أكثر
مسائله وسنبين من هذا إن شاء الله تعالى في آخر هذا الباب طرفا يدل على المراد .
وأما من براهين العقول فإنه يقال لهم : أخبرونا ، أو شئ هو القياس الذي
تحكمون به في دين الله تعالى ؟ . فإن قالوا : لا ندري ، أو تلجلجوا ، فلم يأتوا فيه
بحد حاصر : أقروا بأنهم قائلون بما لا يدرون ، ومن قال بما لا يدري فهو قائل
بالباطل وعاص لله عز وجل إذ يقول : * ( وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ) * مع
الرضا لنفسه بهذه الصفة الخسيسة التي لا تكون إلا في النوكي ، وإن قالوا : حكم
جامع بين شيئين بعلة يستخرجه ، أو قالوا بكثرة التشابه ، كانوا قائلين بما لا دليل
على صحته ، وبما لم يقل به قط صاحب ولا تابع ، وإن قالوا : بما يقع في النفس
كانوا شارعين بالظن ، وفي هذا ما فيه .
وقد أقروا كلهم ، بلا خلاف منهم ، أنه جائز أن توجد الشريعة كلها أولها عن
آخرها نصا ، وأقروا كلهم ، بلا خلاف من أحد منهم ، أنه لا يجوز أن توجد
الشريعة كلها قياسا البتة ، ومن البراهين الضرورية عند كل ذي حس وعقل أن
ما لزم الكل لزم البعض ، فالشرائع كلها لا يمكن البتة ، ولا يجوز أن توجد قياسا من
أحد فبعضها لا يجوز أن يوجد قياسا ، وليس هذا قياسا ، ولكنه برهان ضروري
كقول القائل : إن كان الناس كلهم أحياء ناطقين فكل واحد منهم حي ناطق ،
ولا يموه مموه فيقول : بعض الناس أعور وليس كلهم أعور ، فليس هذا مما ألزمناهم
في صفة لكن كل الناس ممكن أن يوجدوا عورا وليس ذلك بممتنع في البقية .
وأما أخذ الشرائع كلها قياسا فممتنع في البتة إذ لا بد عندهم من نص يقاس
عليه ، ولا هذا أيضا من قول القائل : لا يجوز أن يكذب الناس كلهم ، وجائز أن
يكذب بعضهم ، بل كل أحد على حدته ، فالكذب عليه ممكن ، وليس كل شريعة على
حدتها جائز أن توجد قياسا ، وهذا بيان يوضح كل ما أرادوا أن يموهوا به في هذا
المكان ، وبرهان آخر وهو أنه يقال لأصحاب القياس : إذا قلتم لما حرم الله تعالى
الاحكام — صفحة 1079
مساهمون: ابن حزم
ص١٠٧٩