وهذا إجماع على ترك القياس ، وأن لا حجة لاحد إليه حتى نقص من نقص
بالغفلة المركبة في البشرية في التفصيل ، والخطأ لم يعصم منه أحد بعد النبيين صلى الله
عليهم وسلم ، فإنما يوجد القياس ممن وجد منه على سبيل الخطأ والغفلة عن الواجب
عليه ، هي زلات علماء ، كمن قال بالتقليد وما أشبه ذلك .
وأيضا فقد قلنا وبينا أنه لم يصح قط عن أحد من الصحابة القول بالقياس ،
يعني باسمه وباليقين ، فإنه يتكلم قط أحد منهم بلا شك ولا من التابعين بلا شك
باستخراج علة يكون القياس عليها ، ولا بأن القياس لا يصح إلا على جامعة
بين الحكمين ، فهذا أمر مجمع عليه ، ولا شك فيه البتة ، إلا عند من أراد أن يطمس
عين الشمس ، وهذا أمر إنما ظهر في القرن الرابع فقط مع ظهور التقليد ، وإنما
ظهر القياس في التابعين على سبيل الرأي والاحتياط والظن ، لا على إيجاب حكم
به ، ولا أنه حق مقطوع به ، ولا كانوا يبيحون كتابه عنهم .
وأيضا فقد وجدنا مسائل كثيرة جدا اتفقوا هم فيها ، ونحن وجميع المسلمين على
خلاف جميع وجوه القياس ، وعلى ترك القياس كله فيها ، ومسائل كثيرة جاء
النص بخلاف القياس كله فيها ، ولم نجد قط مسألة جاء النص بالامر بالقياس فيها ،
ولا مسألة اتفق الناس على الحكم فيها قياسا ، فلو كان القياس حقا لما جاز الاجماع
على تركه في شئ من المسائل ، ولا جاء النص بخلافه البتة ، فالاجماع لا يجوز على
ترك الحق ، ولا يأتي النص بخلاف الحق ، وهذا إجماع صحيح على ترك القياس ،
وسنبين طرفا من المسائل التي ذكرنا .
ولعل قياس الورع يعارض هذا القول بأن يقول : قد جاء الاجماع على ترك
بعض النصوص .
فليعلم الناس أن من قال ذلك كاذب آفك ، وما جاء قط نص صحيح بخلاف نص
صحيح السند متصل ، وهو الحق عندنا لا ما عداه ، وما جاء قط نص صحيح بخلاف
الاجماع ، فإن قال سوفسطائي : فقد جاء نص بخلاف نص قلنا ، نعم ، ينسخ له
وهو نص على كل حال ، ولم نذكر لكم قياسا خلاف قياسا ، وإنما قلنا بأنه قد
وجد إجماع على ترك جميع وجوه القياس ، وورود نص مخالف لجميع وجوه القياس ،
وهكذا هي جميع الشرائع ، ككون الظهر أربعا والصبح ركعتين ، والمغرب ثلاثا ،
الاحكام — صفحة 1078
مساهمون: ابن حزم
ص١٠٧٨