وحراما حلالا معا وحقا باطلا معا ، وتخليطا فاسدا . وهذا أبين من أن
يغلط فيه من له حس ، وبالله تعالى التوفيق .
واحتجوا بإجماع الأمة على تقديم أبي بكر إلى الخلافة ، وأن ذلك قياس على
تقديم النبي صلى الله عليه وسلم له إلى الصلاة ، وأن عمر قال للأنصار : ارضوا لإمامتكم من
رضيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاتكم وهي عظم دينكم .
قال أبو محمد : وهذا من الباطل الذي لا يحل ، ولو لم يكن في تقديم أبي بكر
حجة إلا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استخلف عليا على المدينة في غزوة تبوك .
وهي آخر غزواته عليه السلام . فقياس الاستخلاف على الاستخلاف اللذين
يدخل فيهما الصلاة والاحكام أولى من قياس الاستخلاف على الصلاة وحدها .
فإن قالوا : إن استخلاف النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر هو آخر فعله .
قيل لهم وبالله تعالى التوفيق ، إن عليا لم ينحط فضله بعد أن استخلفه رسول
الله صلى الله عليه وسلم على المدينة في غزوة تبوك . بل زاد خيرا بلا شك . فلم يكن
استخلاف النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر على الصلاة لأجل نقيصة حدثت في علي ، لم تكن
فيه إذ استخلفه على تبوك . كما لم يكن استخلافه عليه السلام عليا على المدينة
في عام تبوك لأنه كان أفضل من أبي بكر ، فليس استخلاف أبي بكر على الصلاة
حاطا لعلي .
وإنما العلماء في خلافة أبي بكر على قولين : أحدهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نص عليه ،
وولاه خلافته على الأمة وأقامه بعد موته مقامه صلى الله عليه وسلم في النظر عليه
ولها ، وجعله أميرا على جميع المؤمنين بعد وفاته صلى الله عليه وسلم . وهذا هو قولنا
الذي ندين الله تعالى به . ونلقاه إن شاء الله تعالى - عليه مقرونا منا
بشهادة التوحيد .
وحجتنا الواضحة في ذلك إجماع الأمة حينئذ جميعا على أن سموه خليفة
الاحكام — صفحة 982
مساهمون: ابن حزم
ص٩٨٢