فهذا كل ما موهوا به من إيراد الحديث الذي قد أوضحنا ، بحول الله تعالى
وقوته ، أنه كله حجة عليهم ، وموجب لابطال القياس ، وكل من له أدنى حس
يرى أن إيرادهم ما أوردوا لا طريق للقياس فيه ، ولأنهم يوهمون الضعفاء أننا
ننكر تشابه الأسماء ونحن ، ولله الحمد ، أعلم بتشابه الأسماء منهم وأشد إقرارا
به منهم . وإنما ننكر أن نحكم في الدين للمتشابهين في بعض الصفات بحكم واحد
من إيجاب أو تحريم أو تحليل بغير إذن من الله تعالى ، أو من رسوله صلى الله عليه وسلم ،
فهذا أنكرنا ، وفي هذا خالفنا ، لا في تشابه الأشياء ، فلو تركوا التمويه الضعيف
لكان أولى بهم .
وادعى بعضهم ، دون مراقبة ، إجماع الصحابة رضي الله عنهم على القول
بالقياس ، وهذه مجاهرة لا يعدلها في القبح شئ أصلا ، وباليقين نعلم أن ما روي
قط عن أحد من الصحابة القول بأن القياس حق بوجه من الوجوه ، لا من طريق
تصح ، ولا من طريق ضعيفة ، إلا حديثا واحدا ، نذكره إن شاء الله تعالى بعد
فراغنا من ذكر تمويههم بدلائل الاجماع ، وهو لا يصح البتة .
ولو أن معارضا يعارضهم ، فقال : قد صح إجماع الصحابة على إبطال القياس ،
أكان يكون بينه وبينهم فرق في أنها دعوى ودعوى ؟ بل إن قائل هذا ، من
إجماعهم على إبطال القياس ، يصح قوله ببرهان نذكره إن شاء الله تعالى .
وهو أنه قد صح بلا شك عند كل أحد من ولد آدم يدري الاسلام والمسلمين ،
من مؤمن أو كافر ، أن جميع الصحابة مجمعون على إيجاب ما قال الله تعالى في
القرآن مما لم يصح نسخه ، وعلى إيجاب ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أنه لا يحل
لاحد أن يحرم ولا يحلل ، ولا أن يوجب حكما لم يأت به الله تعالى ، ولا
رسوله صلى الله عليه وسلم في الديانة ، وعلى أن رسول الله لم يلبس على أمته أمر دينها ،
وأنه صلى الله عليه وسلم قد بينه كله للناس ، وهذا كله مجمع عليه من جميع الصحابة أولهم
عن آخرهم بلا شك . ولولا ذلك ما كانوا مسلمين ، فإن هذا مجمع عليه بلا شك ،
فهذه المقدمات مبطلة للقياس ، لأنه عند القائلين به حوادث في الدين لم ينزل الله
تعالى فيها حكما في القرآن بينا ، ولا بين رسول الله صلى الله عليه وسلم ما حكمها بنصه عليها ،
وهذا ما لا يشك مسلم أن الصحابة لو سمعوا قائلا يقول بهذا لبرئوا منه .
الاحكام — صفحة 979
مساهمون: ابن حزم
ص٩٧٩