قال أبو محمد : وهذا لا حجة لهم فيه ، بل بعضه عائد عليهم ، لان الأنصار
لم يكونوا ليتركوا رأيهم ، وهم أهل الدار والمنعة السابقة ، الذين لم يبالوا بمخالفة
أهل المشرق والمغرب ، وحاربوا جميع العرب حتى أدخلوهم في الاسلام طوعا
وكرها ، إلا لنص من النبي صلى الله عليه وسلم لا لرأي أضافهم النزاع إليهم من المهاجرين .
وأما قول عمر فظن منه ، وقد قال رضي الله عنه ، إذ بشره ابن عباس عند
موته بالجنة : والله إن علمك بذلك يا ابن عباس لقليل فخفي عليه شهادة النبي
صلى الله عليه وسلم بالجنة ، مع ما في القرآن من ذلك لأهل الحديبية ، وهم منهم فهكذا
خفي عليه نص النبي صلى الله عليه وسلم على أبي بكر ، وهذا من عمر مضاف إلى ما قلنا آنفا ،
ومضاف إلى قول يوم مات النبي صلى الله عليه وسلم . والله ما مات رسول الله ، وإلى قوله
يوم أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكتب في مرضه الذي مات فيه .
كما حدثنا حمام بن أحمد ، ثنا عبد الله بن إبراهيم ، ثنا أبو زيد المروزي ، ثنا محمد بن
يوسف ، ثنا البخاري ، ثنا يحيى بن سليمان الجعفي ، ثنا ابن وهب ، أخبرني يونس ، عن
ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن ابن عباس قال : لما اشتد
برسول الله صلى الله عليه وسلم وجعه قال : ائتوني بكتاب اكتب لكم كتابا لا تضلوا بعدي ،
فقال عمر : إن النبي صلى الله عليه وسلم غلبه الوجع ، وعندنا كتاب الله حسبنا ، فاختلفوا
وكثر اللغط ، فقال : قوموا عني ، ولا ينبغي عندي التنازع . فخرج ابن عباس
يقول : إن الرزية ما حال بين رسول الله وبين كتابه .
وحدثناه عبد الله بن ربيع ، ثنا محمد بن معاوية ، ثنا أحمد بن شعيب ، أنا محمد بن
منصور ، عن سفيان الثوري ، سمعت سليمان - هو الأحول - عن سعيد بن جبير ،
عن ابن عباس ، فذكر الحديث وفيه : إن قوما قالوا عن النبي صلى الله عليه وسلم في
ذلك اليوم ، ما شأنه ؟ هجر .
قال أبو محمد : هذه زلة العالم التي حذر منها الناس قديما ، وقد كان في سابق علم
الله تعالى أن يكون بيننا الاختلاف ، وتضل طائفة وتهتدي بهدى الله أخرى . فلذلك
الاحكام — صفحة 984
مساهمون: ابن حزم
ص٩٨٤