وقال بعضهم : إنما نتبعهم فيما لا سنة فيه .
قال أبو محمد : وإذ لم يبق إلا هذا فقد سقط شغبهم ، وليس في العالم شئ
إلا وفيه سنة منصوصة ، وقد بينا هذا في باب إبطال القياس من كتابنا هذا ،
وبالله تعالى التوفيق .
واحتجوا بما أخبرناه عبد الله بن ربيع قال : نا محمد بن معاوية ، نا أحمد
ابن شعيب ، أنا محمد بن بشار ، نا أبو عمر ، نا سفيان - هو الثوري - عن الشيباني
- هو أبو إسحاق - عن الشعبي ، عن شريح أنه كتب إلى عمر يسأله فكتب إليه :
أن اقض بما في كتاب الله ، فإن لم يكن في كتاب الله فبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فإن لم
يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقض بما قضى به الصالحون ، فإن
لم يكن في كتاب الله ولا سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يقض فيه الصالحون ، فإن شئت
فتقدم ، وإن شئت فتأخر ، ولا أرى التأخر إلا خيرا لك ، والسلام عليكم .
قال أبو محمد : وهذا عليهم لا لهم ، لان عمر لم يقل بما قضى به بعض الصالحين
وإنما قال : ما قضى به الصالحون فهذا هو إجماع جميع الصالحين ، وفي هذا الحديث
إباحة عمر ترك الحكم بالقياس واختياره لذلك .
ويقال لهم - في احتجاجهم بما روي من الامر بالتزام سنة الخلفاء الراشدين
المهديين - هذا حجة عليكم ، لان سنة الخلفاء الراشدين المهديين كلهم - بلا
خلاف منهم - ألا يقلدوا أحدا ، وألا يقلد بعضهم بعضا ، وأن يطلبوا
سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث وجدوها فينصرفوا إليها ويعملوا بها ، وقد أنكر
عمر رضي الله عنه أشد الانكار على رجل سأله عن مسألة في الحج ، فلما أفتاه
قال له الرجل ، هكذا أفتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فضربه عمر بالدرة وقال له :
سألتني عن شئ قد أفتى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي أخالفه . رويناه من طريق
عبد الرزاق ، وقال عمر رضي الله عنه : إن الرأي منا هو التكليف ، وإن الرأي
من النبي صلى الله عليه وسلم كان حقا .
قال أبو محمد : فمن كان متبعا لهم فليتبعهم في هذا الذي اتفقوا فيه من ترك
الاحكام — صفحة 807
مساهمون: ابن حزم
ص٨٠٧