أنا ابن وهب قال قال لي مالك : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إمام المسلمين وسيد
العالمين يسأل عن الشئ فلا يجيب حتى يأتيه الوحي من السماء .
قال أبو محمد : أفيحل لاحد صح هذا عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي عنه أخذنا
ديننا ، ثم يفتي بعد ذلك بغير ما أتاه به الوحي ويستعمل الرأي والقياس ،
معاذ الله من ذلك .
أخبرنا أحمد بن عمر ، ثنا أحمد بن محمد بن عيسى ، نا محمد بن غندر ، نا خلف
ابن قاسم ، نا أبو الميمون عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر بن راشد البجلي ، نا أبو
زرعة عبد الرحمن بن عمرو ، نا أبو مسهر ، نا سعيد بن عبد العزيز قال : كان إذا
سئل لا يجيب حتى يقول : لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ، هذا رأيي
والرأي يخطئ ويصيب .
قال أبو محمد : ويقال لمن يقضي بالرأي في الدين فحلل به وحرم وأوجب :
أخبرنا عنك في قولك بالرأي ، هذا حرام أو هذا واجب عمن تخبر بأنه
حرم هذا أو أوجب هذا ؟ أعنك أم عن الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لله ؟ فإن كنت
تخبر بذلك عن الله تعالى أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم كنت كاذبا عليهما ، لأنك تقول
عنهما ما لم يقله الله تعالى ، ولا نبيه صلى الله عليه وسلم ، وإن كنت تقول ذلك عن نفسك
فقد صرت محللا ومحرما وشارعا ، وفي هذا ما فيه نعوذ بالله منه . وأيضا فإنك
تصير قاضيا على الباري تعالى ، ومتحكما عليه أن تلزم في دينه - الذي لم يشرعه
سواه - أحكاما تشرعها أنت ، وفي هذا البرهان كفاية . وبالله تعالى نتأيد .
حدثنا أحمد بن عمر بن أنس ، نا الحسين بن يعقوب ، نا سعيد بن فحلون ، نا يونس
ابن يحيى المغامي ، نا عبد الملك بن حبيب ، أخبرني بن الماجشون أنه قال : قال مالك بن
أنس : من أحدث في هذه الأمة اليوم شيئا لم يكن عليه سلفها فقد زعم أن
رسول الله صلى الله عليه وسلم خان الرسالة ، لان الله تعالى يقول : * اليوم أكملت لكم دينكم
وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا ) * فما لم يكن يومئذ دينا لا يكون
اليوم دينا ، وقد ذكر الطحاوي عن أبي حنيفة أنه قال : علمنا هذا رأي فمن أتانا
بخير منه قبلناه .
الاحكام — صفحة 791
مساهمون: ابن حزم
ص٧٩١