وأما ما لا يؤخذ من الدين إلا من الوحي فلا ولا كرامة لاحد بعده أن يكون
لسواه حظ في ذلك معه ولا بعده ، وبالله تعالى التوفيق . فظهر فساد تمويههم بالآيتين .
وأما المشاورة التي كانت قبل نزول الاذان فأعظم حجة عليهم ، أول ذلك أن
الامر حينئذ كان مباحا كل ما قالوه ، ولم ينزل في شئ منه إيجاب ولا تحريم ، وهذا
لا ننكر فيه المشاورة إلى اليوم . ثم إنه لم يأخذ صلى الله عليه وسلم في ذلك بشئ من
آرائهم ، بل بما صوبه الوحي مما أريه في منامه عبد الله بن زيد ، ولولا أن النبي
صلى الله عليه وسلم أمر بالاذان ما جاز الالتفات إلى رؤيا عبد الله بن زيد ، ولا إلى رؤيا غيره ،
فصح أن آراءهم رضي الله عنهم لا يلزم قبولها ، فكيف آراء من بعدهم ؟ .
وأما الخبر عن أبي هريرة : ما رأيت أحدا كان أكثر مشورة لأصحابه
من رسول الله صلى الله عليه وسلم بعقب ذكرى الزهري لمشاورته صلى الله عليه وسلم أصحابه في
القتال يوم الحديبية ، فهو نفس كلامنا هذا ، على أن كلا الخبرين مرسل ، لان
الزهري لم يلق أبا هريرة قط ، ولا سمع منه كلمة ، ولم ينكر أن يشاورهم في
مكايد الحروب وتعجيلها وتأخيرها .
وأما الخبر الذي فيه : ما الحزم ؟ فقال : أن تستشير الرجل ذا الرأي ثم تمضي
لما أمرك به فمرسل ، ثم هو بعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم ، لأنه قد يختلف عليك
الرجلان ذوا الرأي فلأيهما تمضي ؟ حاش الله أن ينطق رسول الله صلى الله عليه
وسلم بهذا الباطل .
وأما الخبر : ما شقي عبد بمشورة فمرسل ، ولا حجة في مرسل ، ونحن
لا ننكر المشورة في غير الدين ، كما أننا ننكر بل نكفر من يشاور أيصلي الخمس
أم لا ؟ أيصوم رمضان أم لا ؟ ونقطع أن مسلما لا يخالفنا في هذا .
وأما حديث عمرو بن العاص فأعظم حجة عليهم ، لان فيه أن الحاكم المجتهد
يخطئ ويصيب ، فإذ ذلك كذلك فحرام الحكم في الدين بالخطأ ، وما أحل الله
تعالى قط إمضاء الخطأ ، فبطل تعلقهم به .
وأما خبر علي فموضوع مكذوب ، ما كان قط من حديث علي ، ولا من حديث
سعيد بن المسيب ، ولا من حديث يحيى بن سعيد ، ولا من حديث مالك ولم يروه
قط أحد عن مالك إلا سليمان بن بزيع الإسكندراني وهو مجهول ولا يخلو ضرورة
الاحكام — صفحة 771
مساهمون: ابن حزم
ص٧٧١