حدود الله فلا تعتدوها ) * . فصح يقينا أنه لم يجعل الله قط إلى الصحابة تحريما ولا
تحليلا ، فقد صح أنه لم يأمره الله تعالى قط بمشورتهم في شئ من الدين ، لا سيما
مع قوله تعالى : * ( فإذا عزمت فتوكل على الله ) * فصح أنه ليس في الآية التي شغبوا
بها قبول رأيهم أصلا ، بل رد تعالى الامر إلى نبيه صلى الله عليه وسلم فيما يعزم عليه مع
التوكل على الله .
وكيف يسع مسلما أن يخطر هذا الجنون بباله مع قول الله عز وجل : * ( واعلموا
أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الامر لعنتم ) * فكيف يجوز قبول
رأي قوم لو أطاعهم لوقع العنت عليهم في أكثر الامر ، أم كيف يدخل في عقل
ذي عقل أن النبي صلى الله عليه وسلم تجب عليه طاعة أصحابه هذا هو الكفر المحض والسخف
البين ، بل طاعته هي الفرض عليهم التي لا يصح لهم إيمان إلا بها . قال الله تعالى :
* ( فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا
مما قضيت ويسلموا تسليما ) * .
ثم إن وجوه الحمق في هذه المقالة جملة بادية ، ليت شعري كيف كان يكون
الامر لو اختلفوا عليه في الشرع فإن قيل : لا يلزم إلا باتفاقهم ، خرجنا إلى
الكلام في الاجماع ، وبطل الكلام في الرأي ، وقد كتبنا في دعوى الاجماع
ما فيه كفاية ، ولله تعالى الحمد .
وأيضا فلا فرق بين جواز شرع شريعة من إيجاب أو تحريم أو إباحة
بالرأي لم ينص تعالى عليه ولا رسوله صلى الله عليه وسلم ، وبين إبطال شريعة شرعها
الله على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم بالرأي ، والمفرق بين هذين العملين متحكم بالباطل
مفتر ، وكلاهما كفر لا خفاء به .
فصح يقينا أن الذي أمره الله تعالى بمشاورتهم فيه ، وغبطهم بأن يكون أمرهم
فيه شورى بينهم ، إنما هو ما أبيح لهم التصرف فيه كيف شاؤوا فقط فتشاورهم
من يولي على بني فلان ، وأي الطرق إلى من يغزو من القبائل أفضل وأسهل
وآمن ، وأين يكون النزول فقط . وهذا كمشاورة المرء منا جاره إلى أي خياط
أدفع ثوبي ، وأي لون ترى لي أن أصبغه ، ومثل هذا ولا مزيد ، وقد يكون عند
الصحابة من المعرفة بالطرق المسلوكة والمياه ما ليس عنده عليه السلام .
الاحكام — صفحة 770
مساهمون: ابن حزم
ص٧٧٠