وتجري مجرى الاسرار ، ومثل هذا كانت مقالة عمر ، التي حضه عبد الرحمن على
تأخيرها إلى أن يخلو بوجوه الناس ، ولم تكن من الشرائع الواجب معرفتها ، من
الفرض والحرام والمباح ، ونحن إنما نتكلم مع خصومنا في الشرائع التي تلزم أهل
صين الصين والخالدات ومن في حوزارين وأقاصي بلاد الزنج ، وأقاصي بلاد
الصقالبة . كما يلزم الصحابة وأهل المدينة لزوما مستويا لا تفاضل فيه ولم ننازعهم
في إدارة رأي ، وفي تحذير من طالب خلافة . فلو تركوا التمويه لكان أولى بهم ولو
كانت تلك المقالة من واجبات الشرائع ما أخرها عمر ولا أمره ابن عوف بتأخيرها .
والعجب أن القائلين بهذا قد خالفوا إجماع أهل المدينة حقا فمن ذلك
سجودهم مع عمر في * ( إذا السماء انشقت ) * يوم جمعة ، فقالوا : ليس عليه العمل
فتركوا إجماع أهل المدينة .
ومن ذلك اشتراكهم في الهدي يوم الحديبية . فقالوا : ليس عليه العمل فتركوا
إجماع أهل المدينة الصحيح ، وادعوه حيث لا يصح ، وهكذا يكون عكس الحقائق
والأمور في الديانة لا تؤخذ إلا من نص منقول ، ولا نص على وجوب اتباع
أهل المدينة دون غيرهم ، فإذا كان ذلك دعوى بلا برهان فهو افتراء على الله عز
وجل أنه أوجب ذلك . وهو تعالى لم يوجبه ، وهذا عظيم جدا ونسأل الله التوفيق .
وإذا كان نقل أهل المدينة وغيرهم إنما حكمه أن يراعى الفاسق فيجتنب نقله ،
والعدل فيقبل نقله ، ففي المدينة عدول وفساق ومنافقون ، وغيرهم شر خلق الله تعالى
وفي الدرك الأسفل من النار ، وقال تعالى : * ( ومن أهل المدينة مردوا على النفاق
لا تعلمهم نحن نعلمهم سنعذبهم مرتين ) * وقال تعالى : * ( إن المنافقين في الدرك الأسفل
من النار ) * . وفي سائر البلاد أيضا عدول وفساق ومنافقون ولا فرق .
وكيف يدعي هؤلاء المغفلون تقليد أهل المدينة وهم يخالفون عمر بن الخطاب
في نيف وثلاثين قضية من موطأ مالك خاصة ، وخالفوا أبا بكر ، وعائشة
وابن عمر وسعيد بن المسيب وسليمان بن يسار والزهري وغيرهم من فقهاء المدينة
في كثير من أقوالهم جدا ، فإن كان تقليد أهل المدينة واجبا فمالك مخطئ في خلافه
لهؤلاء فيجب عليهم أن يتركوه إذا خالف من أهل المدينة .
الاحكام — صفحة 878
مساهمون: ابن حزم
ص٨٧٨