وأيضا فإن قولهم في المد والصاع هو أقل ما قيل ، فهو حجة عندنا من هذه
الجهة ، كما لو قال غيرهم ذلك سواء ولا فرق ، لان ما قالوا : الصاع ثمانية أرطال ،
وقال قوم : أكثر من ذلك ، وقال جمهور أهل المدينة وقوم من غيرهم : خمسة
أرطال ونيف . فكان هذا المقدار متفقا على وجوب إخراجه في زكاة الفطر ،
وجزاء الصيد ، وكفارة الواطئ في رمضان ، والمظاهر ، وحلق الرأس للمحرم قبل
بلوغ الهدي محله ، فوجب الوقوف عند الاجماع في ذلك ، وكان ما زاد مختلفا
فيه لم يجب القول به إلا بنص . ولا نص مسندا صحيحا في ذلك ، فلم يجب القول
بإخراج الزيادة على ذلك ، بغير نص ولا إجماع ، وأجمعت الأمة كلها ، بلا خلاف
في أحد منها ، على أن المد والصاع المذكورين في زكاة الفطر هما المذكوران في
المقدار الذي تلزم فيه الزكاة من الحب والتمر ، وأنهما سواء ، فلما صح المقدار
المذكور في زكاة الفطر ، صح أنه يعينه في زكاة الحب والتمر ، ولا فرق ،
ويكفي من هذا أنه نقل مبلغ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكافة .
وأما الخلاف في المد والصاع ، فإنما هو خلاف رأي ، لا خلاف رواية عن
النبي صلى الله عليه وسلم ، فسقط ذلك الخلاف ، والحمد لله رب العالمين .
واحتجوا في ذلك بما روي من قول عبد الرحمن بن عوف لعمر رضي الله
عنهما : إن الموسم يجمع رعاع الناس ، فاصبر حتى تأتي المدينة فتخلو بوجوه الناس .
فالجواب : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى أن يتبع من عبد الرحمن بن عوف ،
وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يجعل التبليغ الذي أمره الله به إلا في مكة في حجة
الوداع في الموسم الجامع لكل عالم وجاهل . وهنالك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
ألا هل بلغت فقال الناس : اللهم نعم فقال صلى الله عليه وسلم : اللهم اشهد
ولم يجعل صلى الله عليه وسلم ذلك التبليغ العام الذي أقام به الحجة ، في المدينة ولا في
خاص من الناس ، ولا بحضرة وجوه الناس خاصة دون الرعاع وكذلك
لم يكتف رسول الله صلى الله عليه وسلم بقراءة سورة براءة في المدينة ، وهي آخر سورة
نزولا ، وهي الجامعة للسير وأحكام الخلافة والإمامة ، حتى يبعث بها عليا ليقرأ
في الموسم بمكة ، في حجة أبي بكر رضي الله عنهما ، بحضرة كل من حضر .
وإنما يكون الانفراد بوجوه الناس في الآراء التي تدار ، ويستضر بكشفها
الاحكام — صفحة 877
مساهمون: ابن حزم
ص٨٧٧