ونجدهم ، المساكين ، في أمور دنياهم لا يقلدون أحدا ، ولا يبتاع أحدهم
شيئا فما دونه أو فما فوقه ، إلا حتى يقيسه ويتأمل جددته ويتقي الغبن فيه ،
وهو لا يتقي الغبن في دينه الذي فيه هلاكه أو نجاته في الأبد ، فتجده قد قبله
مجازفة وأخذه مطارفة : هات ما قال مالك وابن القاسم وسحنون إن كان
مالكيا ، أو ما قال أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن إن كان حنفيا ،
أو ما قال الشافعي إن كان شافعيا ، ولا مزيد .
ووالله لو أن هؤلاء ، رحمهم الله ، وردوا عرصة القيامة بملء ء السماوات
والأرض حسنات ، ما رحموه منها بواحدة ، ولو أنه - المغرور - ورد ذلك
الموقف بملء ء السماوات والأرض سيئات ، ما حطوا منها واحدة ، ولا عرجوا
عليه ، ولا التفتوا إليه ، ولا نفعوه بنافعة . ونجده يضرب عن كلام نبيه صلى الله عليه وسلم
الذي لا يرجو شفاعة سواه ، ولا أن ينقذه من أطباق النيران ، بعد رحمة
الله تعالى ، إلا اتباعه إياه فأين الضلال إن لم يكن في فعل هؤلاء القوم .
ثم ننحط في سؤالهم درجة فنقول : ما الذي دعاكم إلى التهالك على قول مالك
وابن القاسم ، فهلا تبعتم أقوال عمر بن الخطاب وابنه فتهالكتم عليها ؟ فهما أعلم
وأفضل من مالك وابن القاسم عند الله عز وجل بلا شك ، ونقول للحنفيين .
ما الذي حملكم على التماوت على قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن ؟
فهلا طلبتم أقوال عبد الله بن مسعود وعلي فتماوتم عليها ؟ فهما أفضل وأعلم من
أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن عند الله تعالى بلا شك .
ونقول لمن قلد الشافعي رحمه الله : ألم ينهكم عن تقليده ، وأمركم باتباع كلام
النبي صلى الله عليه وسلم حيث صح ؟ . فهلا اتبعتموه في هذا القولة الصادقة التي لا يحل خلافها
لاحد ؟ أوليس قد قال رحمه الله - وقد ذكر حديث النبي صلى الله عليه وسلم
فيمن مات وعليه صيام صام عنه وليه ، فقال رحمه الله : إن صح هذا الحديث
فبه أقول ؟ ونبرأ من كل مذهب خالف حديث النبي صلى الله عليه وسلم ، والحديث المذكور
في غاية الصحة من طريق عائشة رضي الله عنها ، ثم أنتم دأبا تتحيلون في إبطاله
بأنواع من الحيل الباردة ونهاكم عن قبول المرسل . ثم أنتم تأخذون به في
تحريم بيع اللحم بالحيوان ، تقليدا لغلطه رحمه الله الذي لم يعصم منه أحد ،
الاحكام — صفحة 847
مساهمون: ابن حزم
ص٨٤٧