الخارج منهم عن المدينة خروجه عنها درجة من علمه وفضله .
وأما قولهم : إنهم شهدوا آخر حكمه صلى الله عليه وسلم وعلموا ما نسخ مما لم ينسخ
فتمويه فاحش ، وكذب ظاهر ، بل الخارجون من الصحابة عن المدينة شهدوا من
ذلك كالذي شهده المقيم بها منهم سواء كعلي وابن مسعود وأنس وغيرهم ولا فرق ،
والكذب عار في الدنيا ونار في الآخرة ، فظهر فساد كل ما موهوا به وبنوه على
هذا الأصل الفاسد ، وأسموه بهذا الأساس المنهار .
وأما قولهم : إن من المحال أن يخفى حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأكثر ، وهم
الباقون بالمدينة ، وبعلمه الأقل ، وهم الخارجون عن المدينة ، فتمويه ظاهر ،
وشغب غث ، وإنما كان ممكن أن يموهوا بذلك ، لو وجدوا مسألة رويت من طريق كل من
بقي بالمدينة من الصحابة رضي الله عنهم ، وأفتى بها كل من بقي بالمدينة
من الصحابة . وأما ولا يجدوا هذا أبدا ، ولا في مسألة واحدة ، وإنما وجد
فتيا الواحد والاثنين والثلاثة ونحو ذلك ، وروايتهم كذلك ، فممكن أن يغيب
حكم النبي صلى الله عليه وسلم عن النفر من الصحابة ، وبعلمه الواحد والأكثر منهم ، وقد
يمكن أن يكون الذي حضر ذلك الحكم يخرج عن المدينة ، ويمكن أن يبقى بها ،
ويمكن خلاف ذلك أيضا ، ولا فرق ، وإنما تفرق الصحابة في البلاد بعد موت
النبي صلى الله عليه وسلم .
وأما قول عبد الرحمن لعمر - الذي ذكرنا - في تأخير الامر حتى يقدم المدينة
فيخلو بوجوه الناس ، وأهل الفقه وأهل العلم ، فوالله ما أدرك مالك من هؤلائك
أحدا ، وإنما أخذ عنهم كما فعل أهل الأمصار سواء ولا فرق ، وأيضا
فما كل قول قاله عبد الرحمن ، ووافقه عليه عمر رضي الله عنه حجة ، وقد علم
جميع أهل الاسلام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، لم يخطب الخطبة التي عهد فيها إلى الناس
وجعلها كالوداع لهم وقررهم ألا هل بلغت ، وأشهد الله تعالى عليهم ،
إلا في الموسم أحفل ما كان في الاعراب وغيرهم ففعل رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى
من رأي رآه عبد الرحمن وعمر رضي الله عنهما .
وبرهان ذلك أنه لو سلك الأئمة هذا الرأي ما تعلم جاهل شيئا أبدا ، فصح
أنه لا بد من مخاطبة الرعاع والجهال بما يلزم علمه ، والعجب كله أنهم يموهون إجماع
الاحكام — صفحة 555
مساهمون: ابن حزم
ص٥٥٥