ومن فعل ما أمر فقد سقط عنه الامر ، وبالله تعالى التوفيق .
والقائلون بالتكرار : إنما اضطروا إليه في مسألتين أو ثلاث ، وهم في سائر
مسائلهم تاركون له ، وقد قدمنا أن القوم إنما حسبهم نص المسألة الحاضرة
بما لا يبالون أن يهدموا به سائر مسائلهم ، وبالله تعالى التوفيق
فال علي : وصحيح القول في هذه المسألة هو ما قلنا من أن يفعل مرة واحدة
يؤدي المرء ما عليه ، ولا يلزمه تكرار الفعل لما ذكرنا ، إلا أن ترتفع تلك
الحال التي فيها ذلك الامر ثم تعود ، فإن الامر يعود ولا بد ، كمرض المسلم تجب
عيادته ، فبمرة واحدة يخرج من الفرض ما دام في تلك العلة ، فإن أفاق ثم مرض
عاد حكم العيادة أيضا ، وفك العاني متى صار عانيا وجب فكه ، كإطعام الجائع
متى عاد جوعه عاد وجوب إطعامه ، وكالتعوذ متى قطع الانسان القراءة ثم ابتدأ
القراءة ، وكالوضوء متى أحدث ، وكالصلاة في كل يوم ، ولا يلزم تكرار شئ من
ذلك بعد فعله في حال واحدة ، وبالله تعالى التوفيق .
والقول بالتكرار باطل ، لأنه تكليف ما لا يطاق ، أو القول بلا برهان ،
وكلاهما باطل ، لأننا نسألهم عن تكرار الأوامر المختلفة ، وبعضها يقطع عن فعل
بعض فلا بد ضرورة من ترك جميعها إلا واحدا ، فأيها هو الواحد ، وهذا هو
القول بلا برهان ، وكل ما كان هكذا فهو باطل بلا شك ، وبالله تعالى التوفيق .
فصل في التخيير
قال علي : واختلفوا في الأشياء إذا خير الله عز وجل بينها ، وأوجب على المخير
أن يقصد أيها شاء فيفعله ككفارة الايمان ، وكفارة الحلق في الحج قبل يوم
النحر لمرض أو أذى من الرأس ، وفي العمرة كذلك ، قبل تمامها ، وفي جزاء الصيد
وما أشبه ذلك ، فقال قوم : هي كلها واجبة ، فإذا فعل أحدها سقط سائرها .
قال علي : وهذا خطأ فاحش لوجهين : أحدهما : أن أو لا توجب تساوي
ما عطف بها واجتماعه ، وإنما يوجب ذلك الواو والفاء وثم ، هذا ما لا يجهله من
له أدنى بصر باللغة العربية ، والثاني : أنها لو وجبت كلها لما سقطت بفعل بعضها ،