علينا أبدا ، حتى يكون ما ذكرنا ، وحسبنا أنه فرض على الكفاية ، وتركه للمطبق
مكروه ما لم يقو للعدو ، أو لم يستنفر الامام ، فأي ذلك كان ، فالجهاد فرض على
كل مطيق في ذات نفسه متعين عليه .
ويبطل قول من قال بالتكرار : أنه لو كان قوله صحيحا ، للزم من سلم عليه
أن يرد أبدا ، ولا يمسك عن تكرار الرد ، لقوله تعالى : * ( وإذا حييتم بتحية فحيوا
بأحسن منها أو ردوها ) * ولا خلاف في أن بمرة واحدة يخرج من فرض الرد .
وأما الامر بالمعروف والنهي عن المنكر ، فالمنكر الذي يرى غدا غير المنكر
الذي يرى اليوم ، وفرض علينا تغيير كل منكر ، وكذلك القول في الامر بالمعروف ،
لان المعروف الذي يأمر به غدا غير الذي أمر به اليوم ، وقد جاء النص
مبينا بقوله صلى الله عليه وسلم : من رأى منكم منكرا فليغيره ومما يبطل قول
من قال بالتكرار قوله تعالى : * ( فدية مسلمة إلى أهله وتحرير رقبة مؤمنة ) * وأمره
تعالى بأداء الزكاة ، وما أشبه ذلك ، لا يلزم تكراره إلا ما جاء النص مبينا بإيجاب
تكراره ، وإلا فوفاء واحد يجزي ، ودية واحدة ، ورقبة واحدة .
قال علي : وقد احتج على القائلين بالتكرار بعض من سلف ، ممن يقول بأنه
يخرج المأمور بذلك بفعله مرة واحدة ، بأن قال لما أجمع الناس على أن التكرار
لا يلزم حتى يمتنع المرء من الاكل والنوم والنظر في أسبابه ، فلما صح ذلك لم يكن
من حد في ذلك حدا أولى ممن حد حدا آخر ، فوجب أنه يخرج من المعصية بفعل
ما أمر بفعله مرة ، واحتجوا أيضا بقوله عليه السلام إذ سئل عن الحج أفي كل
عام ؟ فقال عليه السلام : دعوني ما تركتكم قالوا : فلو كان الامر يجب تكراره
لما أنكر عليه السلام على السائل عن الحج أفي كل عام ؟ لأنه كان يكون واضعا
للسؤال موضعه ، أو سائلا تخفيفا عما يقتضيه اللفظ ، ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم خشي
أن يكون سؤاله موجبا لنزول زيادة على ما اقتضاه لفظ الامر بالحج ، فيدخل
ذلك السائل في جملة من ذم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله أعظم الناس جرما في الاسلام
من سأل عن أمر لم يحرم فحرم من أجل مسألته .
قال علي : وهذا احتجاج صحيح ظاهر .
قال علي : وقد تعلق بالتكرار من قال بإيجاب التيمم لكل صلاة .
الاحكام — صفحة 317
مساهمون: ابن حزم
ص٣١٧