فصل في الامر بعد الحظر ومراتب الشريعة
قال علي : قد بينا في غير موضع : أن مراتب الشريعة خمسة : حرام وفرض ،
وهذان طرفان ، ثم يلي الحرام المكروه ، ويلي الفرض الندب ، وبين الندب
والكراهة واسطة وهي الإباحة ، فالحرام ما لا يحل فعله ويكون تاركه مأجورا
مطيعا ، وفاعله آثما عاصيا ، والفرض ما لا يحل تركه ويكون فاعله مأجورا
مطيعا ، ويكون تاركه آثما ، والمكروه هو ما إن فعله المرء لم يأثم ولم يؤجر ،
وإن تركه أجر ، والندب هو ما إن فعله المرء أجر ، وإن تركه لم يأثم ولم يؤجر ،
والإباحة هي ما إن فعله المرء لم يأثم ولم يؤجر ، وإن تركه لم يأثم ولم يؤجر ، كصبغ
المرء ثوبه أخضر أو أصفر ، فإذا نسخ الحظر نظرنا ، فإن جاء نسخه بلفظ الامر
فهو فرض واجب فعله بعد أن كان حراما ، وإن كان أتى فعل لشئ تقدم فيه
النهي فهو منتقل إلى الإباحة فقط ، والنهي باق على الاختيار ، وكذلك الامر إذا
أتى بعده فعل بخلافه فهو منتقل إلى الإباحة ، والامر باق على الندب ، كما قلنا
في أمره عليه السلام الناس إذا صلى إمامهم جالسا أن يصلوا وراءه جلوسا ،
ثم صلى عليه السلام في مرضه الذي توفي فيه جالسا ، والناس وراءه وأبو بكر
إلى جنبه قائم ، فعلمنا أن نهيه عليه السلام عن القيام للمذكر خاصة ندب واختيار ،
إلا أن يفعل ذلك تعظيما للامام فهو حرام ، وعلمنا أن الوقوف له مباح ، وإنما
هذا فيما تيقنا فيه للمتقدم والمتأخر ، وأما ما لم يعلم أي الخبرين كان قبل ، فالعمل
بذلك الاخذ بالزائد ، والاستثناء على ما قدمناه ، وبالله تعالى التوفيق .
قال علي : وقد ادعى بعض من سلف أنه تقرأ الأوامر كلها الواردة بعد
لحظر ، فوجدها كلها اختيارا أو إباحة ، وذكر من ذلك قوله تعالى : * ( وإذا
حللتم فاصطادوا ( فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمر كم الله ) ونهيتكم عن زيارة
القبور فزوروها ، وعن الانتباذ في الظروف فانتبذوا * ( فالآن باشروهن
الاحكام — صفحة 321
مساهمون: ابن حزم
ص٣٢١