فصل في الامر
هل يتكرر أبدا أو يجري منه ما يستحق به المأمور اسم فاعل لما أمر به .
قال علي : اختلف الناس في الامر ، إذا ورد بفعل ما ، هل يخرج من فعله
مرة عن اسم المعصية ، أو يتكرر عليه الامر أبدا فيلزمه التكرار له ما أمكنه ،
فبكلا القولين قال القائلون .
قال علي : والصواب أن المطيع غير العاصي ، ومحال أن يكون الانسان
مطيعا عاصيا من وجه واحد . فمن أمر بفعل ما ولم يأت نص بإيجاب تكراره ،
ففعله فقد استحق اسم مطيع ، وارتفع عنه اسم عاص بيقين ، وكل شئ بطل
فلا يعود إلا بيقين من نص أو إجماع .
وإنما تكلم في هذه المسألة القائلون بقول الشافعي رحمه الله ، في تكرار
الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في كل صلاة ، لأجل قوله تعالى : * ( يا أيها الذين
آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ) * .
قال علي : ولو كان ما احتجوا به من وجوب التكرار صحيحا ، لما كان موضع
الجلوس الآخر من الصلاة أحق به من القيام والسجود وسائر أحوال الانسان ،
وهم إنما أوجبوا ذلك بعد التشهد الأخير من الصلاة فقط . وقد ورد حديث
في لفظه إبعاد لمن ذكر عنده رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فلم يصل عليه ، فإن صح لقلت هو
فرض متى ذكر عليه السلام ، وإن لم يصح فقد صح أن من صلى عليه مرة صلى الله
عليه عشرا ، ولا يزهد في هذا إلا محروم ، والذي يوقن فهو أنه من يرغب عن
الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعن السلام عليه ، فهو كافر مشرك ،
ومن صلى عليه وسلم ثم ترك غير راغب عن ذلك ، ولكن عالم بأنه مقصر باخس
نفسه حظا جليلا - فلا أجر له في ذلك ولا إثم عليه .
فإن قالوا : فما تقولون في الجهاد ؟ قلنا : قد صح أن الجهاد فرض علينا إلى أن
لا يبقى في الدنيا إلا مؤمن أو كتابي يغرم الجزية صاغرا بأمر الله تعالى لنا أن
نقاتل حتى لا تكون فتنة ، ويكون الدين كله لله ، ويؤمن المشركون كلهم ، ويقيموا
الصلاة ويؤتوا الزكاة ، ويعطي أهل الكتاب الجزية وهم صاغرون . فالقتال ثابت
الاحكام — صفحة 316
مساهمون: ابن حزم
ص٣١٦