وهذا مع ما فيه من التحكم بلا دليل ، ومن تكليف المرء علم متى يموت ، فمخالف
لجملة مذاهب أصحابه في الفسخ في تأخير الحج جملة ، وهو ممن لا يخالفها أصلا ،
ولولا ذلك لشكرناه على خلافها ولم نلمه ، وبالله تعالى التوفيق .
فبقي سؤال أبي بكر رحمة الله عليه بحسبه .
قال أبو محمد ، ومما يبين أن الأوامر على الفور قوله تعالى : * ( فلولا نفر من كل
فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم ) * فأوجب تعالى قبول النذارة ،
وقال تعالى : * ( ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا ) * فأمر تعالى بالتوقف في قبول خبر الفاسق
واستثناه من قبول النذارة ، وليس إلا توقف أو بدار ، ولا سبيل إلى قسم ثالث
إلا الترك جملة ، والتوقف هو أيضا ترك ، فلما خص خبر الفاسق بالتوقف فيه ،
وأبانه بذلك عن خبر غير الفاسق ، وجب البدار ضرورة إلى خبر العدل ،
فوجب الفور بالبرهان الضروري ، وبطل الوقف إلا في خبر الفاسق .
قال علي : ويكفي من ذلك ما حدثناه عبد الله بن يوسف الرجل الصالح ، قال : ثنا
أحمد بن فتح ، ثنا عبد الوهاب بن عيسى البغدادي ، عن أحمد بن محمد ، عن أحمد بن
علي ، عن مسلم بن الحجاج ، ثنا عبد الله بن معاذ العنبري وقال : ثنا أبي ، ثنا شعبة ، عن
الحكم ، سمع علي بن الحسين عن ذكوان مولى عائشة أنها قالت : قدم رسول الله
صلى الله عليه وسلم لأربع مضين من ذي الحجة أو خمس ، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو غضبان ، فقلت : من أغضبك يا رسول الله أدخله الله
النار ؟ قال : أو ما شعرت أني أمرت الناس بأمر فإذا هم يترددون ، ولو أني
استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي معي حتى أشتريه ، ثم أحل كما حلوا .
قال علي : فرفع هذا الحديث الشك جملة ، وبين عليه السلام أن أمره كله
على الفرض ، وعلى الفور ، وإن التردد حرام لا يحل ، ونعوذ بالله العظيم من كل
ما أغضب النبي صلى الله عليه وسلم .
فإن اعترضوا بمن بلغه المنسوخ ولم يبلغه الناسخ ، قلنا : هو بمنزلة من لم يبلغه
الامر في أنه لم يلزم حكما فلا يلام على تركه حتى يبلغه ، ولا يعذب على تركه حتى
يعمله - وبالله تعالى التوفيق - بل حكمه الثبات على ما بلغه من المنسوخ ، لأنه
مأمور به جملة حتى يبلغه الناسخ ، لقوله تعالى : * ( لأنذر كم به ومن بلغ ) * فصح أن
الاحكام — صفحة 299
مساهمون: ابن حزم
ص٢٩٩