الذي بلغه من أمر الله تعالى في القرآن أو على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم
هو اللازم ، لقوله عز وجل : * ( وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول ) * حتى يبلغه الامر
الناسخ ، فحينئذ يسقط عنه المنسوخ ويلزمه الناسخ .
وأما احتجاجهم بتأخيره عليه السلام الحج ، فقد حج عليه السلام قبل الهجرة ،
ورآه جبير بن مطعم واقفا بعرفة ، فأنكر جبير ذلك ، لأنه كان عليه السلام من
الخمس الذين لا يقفون بعرفة ، ويكفي من هذا كله أنا على يقين من أن الله تعالى
أمره بتأخير الحج ، حتى يعهد إلى المشركين ألا يقربوا المسجد الحرام ، وإنما
قطعنا على ذلك لقول الله تعالى آمرا أن يقول : * ( ان اتبع الا ما يوحى إلى
فصح يقنا انه عليه السلام لا يفعل إلا ما يوحي إليه ربه عز وجل ، فلما أخر
الحج علمنا أنه فعل ذلك عليه السلام بوحي ، وكان عليه السلام قد أعلمه ربه
تعالى أنه لا يقبضه حتى يتم التعليم ، ويكمل التبليغ ، ويدخل الناس في دين الله أفواجا ،
وهذا يقتضي أنه لا يموت حتى يعلم الناس مناسكهم ، وليس غيره عليه السلام كذلك .
وأيضا فلا ندري متى نزل فرض الحج عليه لعله إنما نزل عليه إذ حج
عليه السلام حجة الوداع ، وهذا هو الأظهر ، لأنه لو نزل قبل ذلك لما آخر
عليه السلام تعليم المناسك إلى حجة الوداع التي قال فيها : خذوا عني مناسككم
لعلي لا ألقاكم بعد عامي هذا أو كما قال عليه السلام ،
ويبين ذلك الحديث الطويل عن جابر ، ففي أوله : ثم أذن رسول الله صلى الله عليه وسلم
في العاشرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حاج ، فلو فرض الحج قبل ذلك
لما أخر الاذان في الناس بوجوبه عليهم .
والحديث المأثور من طريق ابن عباس وأبي هريرة إذ خطب الناس فقال :
إن الله فرض عليكم الحج فقال له قائل : - وقيل إنه الأقرع بن حابس -
أفي كل عام يا رسول الله ؟ وهذا والله أعلم إنما كان في حجة الوداع .
وقد أخبرت عائشة رضي الله عنها بما يدل على ذلك من خروجهم إلى الحج في
ذلك العام ، ينتظرون أمره عليه السلام ، والوحي ينزل عليه ، والاحكام التي
نزلت في تلك الحجة من نسخ الحج لمن لم يسق الهدي ، وأن يحل بمتعة ، ومن
الاحكام — صفحة 300
مساهمون: ابن حزم
ص٣٠٠