على الله عز وجل ، لان النص لم يأت في ذلك بانتهاء ، والقول في المبادرة إلى
أدائها وفي التأخير كما قلنا في النوع الذي قبله .
والنوع الثالث : كالحج فإنه مرتبط بوقت من العام محدود ، وليس ذلك على
الانسان في عام بعينه ، بل هو ثابت على كل مستطيع إلى وقت العرض على الله عز
وجل ، والقول في البدار إليه أو تأخيره ، كالقول في النوعين اللذين قبله .
فإن قال قائل : فلم أجزتم صيام كفارة اليمين وقضاء رمضان غير متتابع ،
وكذلك صيام متعة الحج ، وكذلك غسل الأعضاء في الوضوء ، والغسل من
الجنابة والجمعة ، فأجزتم كل ذلك غير متتابع ؟ .
قيل له ، وبالله تعالى التوفيق : إنا لم نفارق أصلنا الذي ذكرنا ، ولا خالفنا النص
في شئ من ذلك ، لان الله تعالى إنما أوجب في الكفارة ثلاثة أيام ، ومعنى ثلاثة
أيام يوم ويوم ويوم ، ولكل يوم حكمه . فإذا صام يوما فقد صام بعض فرضه ،
وأدى من ذلك فرضا قائما بنفسه ، والصيام شئ آخر غير المبادرة ، فإذا صام غير
مبادر فقد أطاع في أداء الصوم ، وعصى في ترك البدار ، وهما فرضان متغايران
لا يبطل أحدهما ببطلان الآخر ، وإنما ذلك كمن صلى ولم يزك ، فعليه معصية
ترك الزكاة ، وله أجر الطاعة بالصلاة ، ولا تظلم نفس شيئا : * ( فمن يعمل مثقال
ذرة خيرا يره ئ ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره ) * .
وإنما كان يبطل أحدهما بترك الآخر ، ولو جاء النص يربط أحدهما بالآخر ،
كربطه تعالى التتابع في صيام الظهار ، وفي صيام كفارة القتل ، فهذان إن لم يتابعا
فلم يؤديا كما أمر الله تعالى ، ولم يشترط التتابع في قضاء رمضان ، ولا في الكفارات ،
ولا في متعة الحج ، وأمر الله تعالى بالمسارعة إلى الطاعات ، هو أمر بأن يكون فعلنا
على تلك الصفة من المسارعة ، فالمسارعة المأمور بها صفة لفعلنا ، فمن تركها عصى
وكان مؤديا لما أداه غير مسارع ما لم يشترط الوقت والتتابع ، وأمره تعالى بالتتابع
في صيام الظهار ، وكفارة القتل ، هو أمر بأن يكون ذلك الصيامان على هذه الصفة ،
فالمتابعة المأمور بها هنالك صفة للشهرين ، فإذا لم يكونا متتابعين فليسا اللذين أمر
الله تعالى بهما .
وكذلك نقول في غسل الأعضاء في الوضوء وغسل الجنابة أنه غير مأمور
الاحكام — صفحة 296
مساهمون: ابن حزم
ص٢٩٦