قال : أبو محمد ويقال لمن قال يعرف أن الامر على الوجوب إذا اقترن به
وعيد : اعلم أن الوعيد من الله عز وجل قد اقترن بجميع أوامر نبيه
صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى : فيحذر الذين مخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم
عذاب أليم فاقترن التحذير من الفتنة والوعيد ، بكل من خالف أمره عليه السلام .
قال علي : واعترض بعضهم في ذلك بأن قال : لما صح في أن أوامره عليه
السلام ، ما لا يصيب مخالفه عذاب أليم ، وهو أمر كان معناه الندب ، علمنا
أن الوعيد المحذر منه إنما هو فيما كان من الأوامر معناه الوجوب فقط ، وأن
هذه الآية لا توجب كون جميع أوامره فرضا ، وإن كان ذلك ، فقد بطل أن
يكون حجة في حمل الامر على الوجوب .
قال علي : فيقال له وبالله تعالى التوفيق : إن ما خرج من الأوامر عن استحقاق
العذاب المنصوص في الآية على تركه ، بخروجه إلى معنى الندب ، إنما هو مستثنى
من جملة ما جاءت الآية به ، بمنزلة المنسوخ الخارج عن الوجوب ، فلا يبطل ذلك
بقاء سائر الشريعة على الاستعمال ، وكذلك خروج ما خرج بدليله إلى الندب ليس
بمبطل بقاء ما لا دليل على أنه ندب ، على استحقاق العذاب على تركه ، إلا أن الوعيد
قد حصل مقرونا بالأوامر كلها ، إلا ما جاء نص أو إجماع متيقن منقول إلى النبي
صلى الله عليه وسلم بأنه لا وعيد عليه ، لأنه غير واجب ولا يسقط من
كلام الله تعالى إلا ما أسقطه وحي له تعالى آخر فقط .
حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله الهمداني ، ثنا أبو إسحاق البلخي ، عن الفربري ،
عن البخاري ، ثنا محمد بن سنان ، ثنا فليح ثنا هلال بن علي ، عن عطاء بن يسار ، عن
أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : كل أمتي يدخلون الجنة إلا
من أبى . قالوا : يا رسول الله ومن يأبى ؟ قال : من أطاعني دخل الجنة ،
ومن عصاني فقد أبى .
قال علي : يسأل من قال : إن الأوامر لا تحمل على الوجوب إلا بدليل ،
ما معنى المعصية ، فلا بد له من أن يقول : هي ترك المأمور أن يفعل ما أمره به
الآمر ، فإذا لا بد من ذلك . فمن استجاز ترك ما أمره به الله تعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم ،
الاحكام — صفحة 270
مساهمون: ابن حزم
ص٢٧٠