واحتج على بعضهم بالخبر الثابت من طريق أنس : أن رجلا اتهم بأم ولد
رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمر النبي عليه السلام علي بن أبي طالب أن يقتله
فأتاه فوجده في ركي يتبرد ، فأمره بالخروج فلما خرج فإذا هو مجبوب لا ذكر
له فتركه وعاد إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبره ، وزاد بعض من لا يوثق
به في هذا الخبر أن عليا قال له : يا رسول الله أنفذ لأمرك كالسكة المحماة ،
أم الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ؟ فقال له : بل الشاهد يرى ما لا يراه الغائب
وقد ذكر هذا اللفظ أيضا في خبر بعثه عليه السلام عليا إلى خيبر ، وكلاهما
لا يصح أصلا ، بل هما زيادتا كذب ، لم يرو قط من طريق فيها خير ، ويلزم من
صححها أن يسقط من الصلاة ثلاث صلوات ، أو من كل صلاة ركعة إن رأى ذلك
أصلح ، أو ينقل صوم رمضان إلى الربيع رفقا بالناس ، إذ الشاهد يرى مالا يرى
الغائب ، وأن يزيد في الحدود والزكاة ، أو ينقص منها ، وهذا كفر صريح فبطل
التعلق بهذا اللفظ الموضوع .
وكذلك ما روي أنه عليه السلام أمر أبا بكر وعمر بقتل ذي الخويصرة فرجعا
وقال أحدهما : يا رسول الله صلى الله عليه وسلم وجدته ساجدا ، وقال الآخر : وجدته راكعا ، فهو
خبر كاذب لم يأت قط من طريق خير ، وأما أمره عليه السلام بقتل ذلك
الانسان فيخرج على أحد وجهين : إما أنه شهد عند النبي عليه السلام بذلك قوم
عدول في الظاهر ، منافقون في الباطن كاذبون بأنهم سمعوه يقر بذلك فوجب
عليه القتل لأذاه النبي صلى الله عليه وسلم ، ففضح الله كذبهم ، وأما أنه تعالى
أوحى إليه بالامر بقتله ، وقد علم تعالى أنه سينسخ ذلك الامر بإظهار براءته ،
وكذب الناقل ، وكلا الامرين وجه صحيح ، وبالله تعالى التوفيق .
قال علي : فإذا قد ذكرنا كل ما شغبوا به ، فلنذكر إن شاء الله تعالى البراهين
المصححة أن الأوامر كلها على الوجوب ، والنواهي كلها على التحريم إلا ما خرج
الاحكام — صفحة 268
مساهمون: ابن حزم
ص٢٦٨