وعوازب أحلامها : ما ذهب من عقولها ، عزب عنه الرأي ، أي بعد .
ويسني لكم طرقه ، أي يسهل . والعقب ، بكسر القاف : مؤخر القدم ، وهي مؤنثة .
فإن قلت : فإن قوله : " حتى تؤوب " يدل على أغاية ملكه أن تؤوب إلى العرب
عوازب أحلامها ، وعبد الملك مات في ملكه ولم يزل الملك عنه بأوبة أحلام العرب إليها
فإن فائدة " حتى " إلى ، وهي موضوعة للغاية .
قلت : إن ملك أولاده ملكه أيضا ، وما زال الملك عن بنى مروان حتى آبت إلى العرب
عوازب أحلامها ، والعرب هاهنا : بنو العباس ومن اتبعهم من العرب أيام ظهور الدولة
كقحطبة بن شبيب الطائي وابنيه حميد والحسن ، وكبني رزتني ، بتقديم الراء المهملة ، الذين
منهم طاهر بن الحسين وإسحاق بن إبراهيم المصعبي وعدادهم في خزاعة وغيرهم من العرب
من شيعة بنى العباس . وقد قيل : إن أبا مسلم أيضا عربي أصله ، وكل هؤلاء وآبائهم
كانوا مستضعفين مقهورين مغمورين في دولة بنى أمية لم ينهض منهم ناهض ، ولا وثب إلى الملك
واثب ، إلى أن أفاء الله تعالى إلى هؤلاء ما كان عزب عنهم من إبائهم وحميتهم ، فغاروا
للدين والمسلمين من جور بنى مروان وظلمهم ، وقاموا بالامر ، وأزالوا تلك الدولة التي كرهها
الله تعالى ، وأذن في انتقالها .
ثم أمرهم عليه السلام بأن يلزموا بعد زوال تلك الدولة الكتاب والسنة ، والعهد
القريب الذي عليه باقي النبوة - يعنى عهده وأيامه عليه السلام - وكأنه خاف من أن يكون
بإخباره لهم بأن دولة هذا الجبار ستنقضي إذا آبت إلى العرب عوازب أحلامها ، كالأمر لهم
باتباع ولاة الدولة الجديدة في كل ما تفعله ، فاستظهر عليهم بهذه الوصية ، وقال لهم : إذا ابتذلت
الدولة ، فالزموا الكتاب والسنة ، والعهد الذي فارقتكم عليه .
شرح نهج البلاغة — صفحة 48
مساهمون: ابن أبي الحديد
ص٤٨