تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح نهج البلاغة — صفحة 239

مساهمون:

ص٢٣٩
قد جمع لهم ملك الروم قضه وقضيضه ، وجيشه ولفيفه واستكثر من الأكراد العتمرية ، ومن عساكر الشام وجند حلب ، فيقال : إنه جمع مائة ألف فارس وراجل ، فلقيه التتار في عشرين ألفا ، فجرت بينه وبينهم حروب شديدة قتلوا فيها مقدمته ، وكانت المقدمة كلها أو أكثرها من رجال حلب ، وهم أنجاد أبطال فقتلوا عن آخرهم ، وانكسر العسكر الرومي وهرب صاحب الروم حتى انتهى إلى قلعه له على البحر تعرف بأنطاكية ، فاعتصم بها وتمزقت جموعه ، وقتل منهم عدد لا يحصى ، ودخلت التتار إلى المدينة المعروفة بقيسارية ففعلوا فيها أفاعيل منكرة من القتل والنهب والتحريق ، وكذلك بالمدينة المعروفة بسيواس وغيرها من كبار المدن الرومية ، وبخع لهم صاحب الروم بالطاعة ، وأرسل إليهم يسألهم قبول المال والمصانعة ، فضربوا عليه ضريبة يؤديها إليهم كل سنة ، ورجعوا عن بلاده . وأقاموا على جملة السكون والموادعة للبلاد الاسلامية كلها ، إلى أن دخلت سنة ثلاث وأربعين وستمائة . فاتفق أن بعض أمراء بغداد وهو سليمان بن برجم ، وهو مقدم الطائفة المعروفة بالإيواء ، وهي من التركمان ، قتل شحنة من شحنهم في بعض قلاع الجبل يعرف بخليل بن بدر ، فأثار قتله أن سار من تبريز عشرة آلاف غلام منهم ، يطوون المنازل ، ويسبقون خبرهم ، ومقدمهم المعروف بجكتاي الصغير ، فلم يشعر الناس ببغداد إلا وهم على البلد ، وذلك في شهر ربيع الاخر من هذه السنة في فصل الخريف ، وقد كان الخليفة المستعصم بالله ، أخرج عسكره إلى ظاهر سور بغداد على سبيل الاحتياط ، وكان التتر قد بلغهم ذلك إلا أن جواسيسهم غرتهم ، وأوقعت في أذهانهم أنه ليس خارج السور إلا خيام مضروبة وفساطيط مضروبة ، لا رجال تحتها ، وأنكم متى أشرفتم عليهم ملكتم سوادهم وثقلهم ويكون قصارى أمر قوم قليلين تحتها أن ينهزموا إلى البلد ، ويعتصموا بجدرانه ، فأقبلت
شرح نهج البلاغة — صفحة 239 | ابن أبي الحديد / محمد أبو الفضل إبراهيم