مما عند الله تعالى إلى ما عند غيره سبحانه : ومنها أن يعقد ضميره وقلبه على محبة الله تعالى ،
ويشرب بالكأس الروية من حبه . ومنها عظم التقوى بحيث يأمن كل شئ عدا الله ،
ولا يهاب أحدا إلا الله . ومنها الخشوع والخضوع والإخبات والذل لجلال عزته سبحانه .
ومنها الا يستكثر الطاعة والعمل ، وإن جل وعظم . ومنها عظم الرجاء الواقع في مقابلة
عظم الخوف ، فإن الله تعالى يحب أن يرجى ، كما يحب أن يخاف .
* * *
[ أبحاث تتعلق بالملائكة ]
واعلم أنه يجب أن تعلم أبحاث متعددة تتعلق بالملائكة ويقصد فيها قصد حكاية
المذهب خاصة ، ونكل الاحتجاج والنظر إلى ما هو مذكور في كتبنا الكلامية .
البحث الأول في وجود الملائكة : قال قوم من الباطنية : السبيل إلى إثبات الملائكة
هو الحس والمشاهدة ، وذلك أن الملائكة عندهم أهل الباطن .
وقالت الفلاسفة : هي العقول المفارقة ، وهي جواهر مجردة عن المادة لا تعلق لها
بالأجسام تدبيرا ، واحترزوا بذلك عن النفوس ، لأنها جواهر مفارقة إلا أنها تدبر الأبدان ،
وزعموا أنهم أثبتوها نظرا .
وقال أصحابنا المتكلمون : الطريق إلى إثبات الملائكة الخبر الصادق المدلول على
صدقه ، وفى المتكلمين من زعم أنه أثبت الملائكة بطريق نظري ، وهو أنه لما وجد خلقا
من طين وجب في العقل أن يكون في المخلوقات خلق من الهواء وخلق من النار فالمخلوق من
الهواء هو الملك والمخلوق من النار الشيطان .
* * *
شرح نهج البلاغة — صفحة 431
مساهمون: ابن أبي الحديد
ص٤٣١