وصار عزيزا ملكا ، لا سلطان عليه لنفسه ولا لغيره ، فاستراح من الذل والهوان ، ولم
يبق لنفسه شئ تشتاق إليه بعد الموت ، فكان أقرب إلى السلامة والنجاة من العابد
الغنى الموسر .
وأما العارف فإنه بالحال التي وصفناها ، ويستلزم مع جودها أن يكون زاهدا ، لأنه
لا يتصور العرفان مع تعلق النفس بملاذ الدنيا وشهواتها . نعم قد يحصل بعض العرفان
لبعض العلماء الفضلاء ، مع تعلقهم بشهوات الدنيا ، ولكنهم لا يكونون كاملين في
أحوالهم ، وإنما تحصل الحالة الكاملة لمن رفض الدنيا وتخلى عنها ، وتستلزم الحالة المذكورة
أيضا أن يكون عابدا عبادة ما ، وليس يشترط في حصول حال العرفان أن يكون على قدم
عظيمة من العبادة ، بل الاكثار من العبادة حجاب كما قيل ، ولكن لا بد من القيام
بالفرائض وشئ يسير من النوافل .
* * *
واعلم : أن العارف هو العارف بالله تعالى وصفاته وملائكته ورسله وكتبه ، وبالحكمة
المودعة في نظام العالم ، لا سيما الأفلاك والكواكب ، وتركيب طبقات العناصر ، والاحكام
البينة وفى تركيب الأبدان الانسانية .
فمن حصل له ذلك ، فهو العارف ، وإن لم يحصل له ذلك ، فهو ناقص العرفان ، وإن
انضم إلى ذلك استشعاره جلال الله تعالى وعظمته ، ورياضة النفس والمجاهدة ، والصبر والرضا
والتوكل ، فقد ارتفع طبقه أخرى ، فإن حصل له بعد ذلك الحب والوجد ، فقد ارتفع
طبقه أخرى ، فإن حصل له بعد ذلك الاعراض عن كل شئ سوى الله ، وأن يصير
مسلوبا عن الموجودات كلها ، فلا يشعر إلا بنفسه وبالله تعالى ، فقد ارتفع طبقة أخرى ،
وهي أرفع طبقات .
شرح نهج البلاغة — صفحة 366
مساهمون: ابن أبي الحديد
ص٣٦٦